يدخل السودان عامه الرابع من الحرب، في ظل وضع معقد يجمع بين محاولات التعافي الجزئي وتداعيات إنسانية واقتصادية وخيمة. تتزايد الدعوات من المواطنين إلى التكاتف والوحدة باعتبارهما السبيل الوحيد للخروج من الأزمة واستعادة الاستقرار للبلاد التي تعاني من نزوح واسع النطاق وتدهور اقتصادي حاد.
منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، أفرز الصراع واقعاً ميدانياً منقسماً. يسيطر الجيش على معظم مناطق الشمال والوسط والشرق والعاصمة، بينما تنتشر قوات الدعم السريع في دارفور وأجزاء من كردفان. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن النزاع أسفر عن أكثر من 20 ألف قتيل وملايين النازحين واللاجئين.
تداعيات الحرب على السودان
على الرغم من إعلان الجيش استعادة السيطرة على مدن رئيسية مثل ود مدني والأبيض وكادقلي في مايو/أيار 2025، إلا أن الأوضاع الإنسانية لا تزال مأساوية. تشير التقارير الدولية إلى نزوح ما يقرب من 14 مليون شخص، واحتياج 33.7 مليون آخرين للمساعدات الإنسانية العاجلة. تفاقم انعدام الأمن الغذائي يمثل تحدياً كبيراً يهدد حياة الملايين.
الأثر الإنساني والاجتماعي
يقول أحد المواطنين السودانيين إن الحرب “غيرت كل شيء”، مشيراً إلى النزوح الواسع وفقدان الأطفال لبيئاتهم الآمنة. ومع ذلك، يلحظ تحسناً تدريجياً في الأوضاع الأمنية وعودة الحياة إلى بعض المناطق. يعتقد أن هذه التجربة الصعبة ساهمت في تغيير مفاهيم المجتمع وتعزيز قيم التكافل والتعاون.
ويضيف أن النزوح الداخلي والخارجي أتاح للسودانيين اكتساب خبرات جديدة، داعياً إلى تجاوز الانقسامات والتمسك بقيم التسامح والعمل الجماعي لإعادة بناء البلاد. يؤكد أن “الشعب السوداني معروف بكرمه ومروءته، وهذه القيم يجب أن تقود المرحلة المقبلة”.
الوضع الاقتصادي المتدهور
تعكس هذه الشهادات واقعاً إنسانياً صعباً تؤكده تقارير دولية. يشير المجلس النرويجي للاجئين إلى أن معظم الأسر مجبرة على تقليص وجباتها اليومية. تشهد الأسواق ارتفاعاً حاداً في أسعار السلع وتراجعاً مستمراً في قيمة العملة المحلية، مما يزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين. تدهور الاقتصاد السوداني يفاقم الأزمة الإنسانية.
إرادة حقيقية للسلام
من جهته، يرى مواطن آخر أن الحياة بدأت تستعيد وتيرتها الطبيعية في بعض المناطق، مع عودة تدريجية للسكان وتحسن في حركة النقل والخدمات. يشدد على أن استقرار الأوضاع مرهون بـ”تصفية النفوس” ونبذ العنصرية والجهوية، بما يعزز وحدة المجتمع. هذا يتطلب جهوداً مشتركة من جميع الأطراف.
في المقابل، يُبرز صوت ثالث حجم المعاناة التي يعيشها النازحون واللاجئون، خاصة في دول الجوار، حيث يصف ظروفاً “قاسية” على مستوى المعيشة والتعليم. يدعو إلى تسريع إنهاء الحرب عبر المفاوضات، بعدما “استنزف الناس كل ما لديهم”.
سياسياً، شهد السودان تعيين حكومة مدنية برئاسة كامل الطيب إدريس في مايو/أيار 2025، وعودة الحكومة إلى الخرطوم مطلع 2026. ومع ذلك، لا تزال جهود التسوية متعثرة، على الرغم من التحركات الإقليمية والدولية لإحياء العملية السياسية ودفع الأطراف نحو الحوار.
ومع تسجيل عودة نحو 3.99 مليون شخص إلى مناطقهم، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، تبقى هذه العودة محدودة مقارنة بأكثر من 13 مليون نازح ولاجئ. هذا يعكس حجم التحديات التي تواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب.
بينما تتباين التقديرات بشأن مآلات الصراع، تتفق أصوات المواطنين على أن إنهاء الحرب، سواء عبر الحسم أو التفاوض، يظل أولوية قصوى. إعادة بناء السودان تبدأ من استعادة وحدة مجتمعه وترسيخ قيم التعايش التي طالما ميزته.
من المتوقع أن تستمر الجهود الإقليمية والدولية لإيجاد حل سياسي للأزمة السودانية في الأشهر القادمة. يبقى الوضع الإنساني والاقتصادي هشاً للغاية، ويتطلب استجابة عاجلة من المجتمع الدولي. ما زالت المفاوضات بين الأطراف المتنازعة متعثرة، ولا يوجد حتى الآن أفق واضح لتحقيق السلام الدائم.
