انطلقت في العاصمة الأمريكية واشنطن، مساء الثلاثاء، مفاوضات لبنان وإسرائيل مباشرةً، بالتزامن مع استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي في المنطقة، بينما يشهد لبنان انقسامًا داخليًا حادًا حول هذه المحادثات، سواء من حيث الشكل أو المضمون. تأتي هذه الخطوة وسط جهود دولية مكثفة لتهدئة التوترات المتصاعدة، وتحديدًا بعد تبادل القصف بين الطرفين.
أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن هذه المحادثات تمثل فرصة تاريخية، مشيرًا إلى إمكانية وضع إطار عام للحل. ومع ذلك، أضاف روبيو أن التعقيدات لن تُحل بالكامل خلال الساعات القليلة القادمة، وأن الهدف الأوسع هو وضع حد لنفوذ حزب الله على مدى العشرين أو الثلاثين عامًا القادمة. يشارك في هذه المباحثات السفير الإسرائيلي بواشنطن يحيئيل لايتر، والسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض، وسفير الولايات المتحدة لدى بيروت ميشال عيسى.
أهداف وتحديات مفاوضات لبنان وإسرائيل
سعى لبنان إلى الحصول على التزام من إسرائيل بوقف إطلاق النار خلال المحادثات، لكن وسائل إعلام إسرائيلية ذكرت أن تل أبيب وافقت فقط على تقييد الهجمات على العاصمة بيروت، وخفض حدة الهجمات في مواقع لبنانية أخرى. هذا التباين في المواقف يعكس التحديات الكبيرة التي تواجه هذه المباحثات.
الموقف اللبناني الرسمي
أعرب الرئيس اللبناني جوزيف عون عن أمله في أن تشكل هذه المحادثات بداية لإنهاء معاناة اللبنانيين، وخاصةً في الجنوب. وأكد عون أن الحل يكمن في إعادة انتشار الجيش اللبناني على طول الحدود المعترف بها دوليًا، وتوليه المسؤولية الكاملة عن الأمن. وأضاف أن الاستقرار لن يعود إلى الجنوب ما دام الاحتلال الإسرائيلي مستمرًا.
وشدد عون على حاجة لبنان الماسة إلى المساعدات العاجلة، مشيرًا إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية تسببت في كارثة إنسانية ونزوح أكثر من مليون لبناني. وأكدت السلطات اللبنانية أن أولويتها هي وقف إطلاق النار في الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحزب الله في الثاني من مارس/آذار.
ردود الفعل الداخلية في لبنان
ترافق انطلاق المفاوضات مع انقسام داخلي حاد في لبنان. فقد انتقد حزب الله هذه المحادثات، معتبرًا إياها غير مجدية. وفي المقابل، أعربت أطراف سياسية أخرى عن أملها في أن تؤدي هذه المباحثات إلى تخفيف التوترات وتحقيق الاستقرار.
أشار وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة إلى أن اجتماع واشنطن هو لقاء “تحضيري” يهدف إلى وقف الهجمات العسكرية، مع الإشارة إلى تلقي التزامات بخفض التصعيد في بيروت، رغم غياب ضمانات قوية. وأوضح سلامة أن مناقشة السلام تتطلب وقف القصف أولاً، وأن الحكومة تسعى لاستعادة سلطة الدولة.
موقف حزب الله وإسرائيل
أعلن حزب الله رفضه للمفاوضات، واعتبرها “عبثية”. وصرح وفيق صفا، العضو البارز في المجلس السياسي لحزب الله، بأن الجماعة لن تلتزم بأي اتفاقات قد تنتج عن هذه المحادثات. وأكد صفا أن مسألة سلاح المقاومة هي شأن لبناني داخلي، ولا علاقة لإسرائيل أو الولايات المتحدة به.
من جهتها، تصر إسرائيل على ربط أي تقدم سياسي بملفات أمنية أوسع، وتحديدًا تفكيك سلاح حزب الله. وأكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن حكومته تسعى إلى التوصل إلى اتفاق سلام “يستمر لأجيال”.
لكن مسؤولين إسرائيليين أشاروا إلى أنهم لا يعولون كثيرًا على هذه المحادثات، معتبرين أن الحكومة اللبنانية قد لا تكون قادرة أو راغبة في نزع سلاح الحزب. ووفقًا لتقارير إعلامية، فإن إسرائيل لا تنوي الموافقة على وقف إطلاق النار في المرحلة الحالية.
الدور الأمريكي والموقف الأوروبي
تتقدم الولايات المتحدة إلى واجهة هذه المفاوضات بوصفها مهندسها الأساسي، وتسعى إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني لتمكينه من ضبط الحدود. في الوقت نفسه، تعتبر واشنطن أن هذا المسار ضروري لتحقيق أمن مستدام في المنطقة.
واعتبرت 17 دولة أوروبية، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا، أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل يمكن أن تمهد الطريق لأمن دائم في المنطقة. وحثت هذه الدول على إشراك لبنان في جهود خفض التصعيد الإقليمية، والتوصل إلى حل سياسي دائم.
من المتوقع أن تستمر المفاوضات في واشنطن خلال الأيام القادمة، مع التركيز على إيجاد أرضية مشتركة لوقف إطلاق النار وتخفيف التوترات. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من العقبات التي تعترض طريق التوصل إلى حل شامل، بما في ذلك موقف حزب الله والتباين في المواقف الإسرائيلية واللبنانية. سيكون من الضروري مراقبة تطورات الوضع على الأرض، وردود الفعل الداخلية في لبنان، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، لتقييم فرص نجاح هذه المباحثات.
