في ظل التوترات السياسية والعسكرية المتصاعدة في محافظات جنوب وشرق اليمن، تتجه الأنظار نحو مؤتمر مرتقب تهدف الرياض إلى رعايته بهدف إيجاد حل للأزمة المستمرة في “القضية الجنوبية“. يأتي هذا التحرك استجابة لطلب من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، ويدعو إلى جمع كافة المكونات الجنوبية بهدف التوصل إلى توافق بشأن مستقبل المنطقة. ويتوقع مراقبون أن يلعب هذا المؤتمر دورًا حاسمًا في تحديد مسار الحل السياسي في اليمن.
أعلنت الرياض ترحيبها باستضافة المؤتمر، داعيةً جميع الأطراف الجنوبية إلى المشاركة الفعالة وإيجاد حلول عادلة تلبي تطلعات الجنوبيين. وجاء في بيان صادر عن الخارجية السعودية التأكيد على دعم المملكة لجهود تحقيق السلام والاستقرار في اليمن، وحرصها على الحفاظ على وحدة أراضيه وسيادته. بينما تتزايد المخاوف من التصعيد المتبادل بين الأطراف المتنازعة، يمثل هذا المؤتمر فرصة جديدة للحوار والتفاوض.
أهمية مؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي
يأتي طرح فكرة مؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي في سياق الجهود الإقليمية والدولية المتواصلة لإيجاد حل للأزمة اليمنية. وتشير التحليلات إلى أن هذا المؤتمر يهدف إلى معالجة الجذور العميقة للخلافات المتعلقة بوضع الجنوب، والتي تتضمن قضايا الحكم الذاتي وتقاسم الثروة والسلطة. وتعتبر القضية الجنوبية من أبرز التحديات التي تواجه اليمن، إذ تعود جذورها إلى عقود مضت.
الاستعدادات الجارية والمشاركين المحتملين
تشكلت لجنة تحضيرية للمؤتمر، مهمتها تحديد الشكل والهيكل والنظام الداخلي للمؤتمر. وتعمل اللجنة حاليًا على التواصل مع مختلف المكونات الجنوبية لتأمين مشاركتها. وتشمل قائمة المكونات المحتملة مجلس القيادة الرئاسي اليمني، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وممثلي المحافظات الجنوبية والشرقية، بالإضافة إلى شخصيات اجتماعية وقبلية مؤثرة. ومن المتوقع أن يشهد المؤتمر مشاركة واسعة لتمثيل كافة أطياف الجنوب.
توقعات حول مشاركة المجلس الانتقالي الجنوبي
تعتبر مشاركة المجلس الانتقالي الجنوبي في هذا المؤتمر أمرًا بالغ الأهمية لنجاحه. ويرى مراقبون أن المجلس يواجه خيارات صعبة، حيث أن عدم المشاركة قد يعزله ويزيد من الضغوط عليه، في حين أن المشاركة تتطلب منه تقديم تنازلات قد لا تحظى بدعم قاعدته الشعبية. وقد أبدت الرياض جهودًا مكثفة لإقناع المجلس بالمشاركة، مؤكدة على أن حوارًا بناءً هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والازدهار في الجنوب.
التصعيد الأحادي وإجراءات الحكومة اليمنية
في المقابل، أثار إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن “مرحلة انتقالية” قلقًا واسعًا في الأوساط السياسية اليمنية. وتعتبر الحكومة اليمنية هذا الإعلان محاولة للانفصال وتشكيل كيان سياسي مستقل في الجنوب، وهو ما يهدد وحدة اليمن وسيادته. وقد اتخذت الحكومة اليمنية عددًا من الإجراءات الدستورية ردًا على هذه الخطوة، بما في ذلك طلب دعم السعودية لحماية المدنيين في المحافظات الشرقية.
إضافةً إلى ذلك، أوكلت الرئاسة اليمنية لمحافظ حضرموت قيادة عملية استلام المعسكرات التابعة للقوات المسلحة، ودعم جهود التحالف في إخلاء وتأمين المنطقة. وتأتي هذه الإجراءات في إطار سعي الحكومة للحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع أي خطوات تصعيدية من قبل المجلس الانتقالي. القضية الجنوبية تزداد تعقيدًا بفعل هذه التطورات، مما يستدعي تدخلًا إقليميًا ودوليًا فوريًا.
وتشير التقارير إلى أن الحكومة اليمنية أعربت عن قلقها بشأن الدور الإماراتي في دعم المجلس الانتقالي، وطالبت السعودية بالضغط على الإمارات لوقف هذا الدعم. التطورات السياسية الأخيرة تُظهر عمق الانقسامات بين الأطراف اليمنية، وتؤكد على ضرورة وجود وساطة فعالة لإعادة الثقة وبناء توافق وطني.
الوضع في اليمن يتطلب معالجة شاملة لقضايا الأمن والسياسة والاقتصاد. ويرى خبراء أنه لا يمكن تحقيق السلام والاستقرار في اليمن دون التوصل إلى حلول جذرية تتضمن تقاسمًا عادلاً للسلطة والثروة، وضمان حقوق جميع المكونات اليمنية. ويبدو أن مؤتمر الرياض يمثل فرصة حقيقية لتحقيق هذه الأهداف، لكن نجاحه يتوقف على مدى استعداد الأطراف المتنازعة للتعاون والتنازل.
من المتوقع أن تعقد الرياض لقاءات مكثفة مع ممثلي مختلف المكونات الجنوبية خلال الأيام القادمة، بهدف التوصل إلى صيغة مشتركة بشأن جدول أعمال المؤتمر وآلياته. ومن المقرر أن تبدأ أعمال المؤتمر في بداية شهر مارس 2026، وقد تستمر لعدة أسابيع. وما يزال من غير الواضح ما إذا كان المؤتمر سيتمكن من تحقيق تقدم ملموس نحو حل القضية الجنوبية، أم أنه سيواجه نفس العقبات التي أعاقت جهود السلام السابقة. ومع ذلك، فإن المؤتمر يمثل خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، ويستحق كل الدعم والتشجيع.
