في ذكرى مؤلمة، يتجدد الحديث عن مجزرة مدرسة بحر البقر عام 1970، وهي الحادثة التي استشهد فيها 30 طفلاً مصرياً في محافظة الشرقية، جراء قصف إسرائيلي لمدرسة ابتدائية. يأتي إحياء هذه الذكرى في ظل استمرار التوترات الإقليمية، وتأثيرها على الذاكرة الجماعية للأجيال المتعاقبة. وتُعد هذه المجزرة من أبرز الأحداث المأساوية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
وقع الحادث المروع في الثامن من أبريل عام 1970، عندما قصفت طائرات إسرائيلية مدرسة بحر البقر الابتدائية، الواقعة في مركز الحسينية بمحافظة الشرقية. وقد أدى القصف إلى تدمير المدرسة بالكامل واستشهاد 30 طفلاً، وإصابة العشرات الآخرين بجروح خطيرة. وتعتبر هذه الحادثة جريمة حرب وفقًا للعديد من المنظمات الحقوقية الدولية.
تفاصيل مجزرة مدرسة بحر البقر
عند الساعة التاسعة والثلث من صباح ذلك اليوم، شنّت طائرات إسرائيلية من طراز إف 4 فانتوم هجوماً على المدرسة، مستخدمةً خمس قنابل وصاروخين، وفقًا لما ذكرته الهيئة الوطنية للإعلام. كانت المدرسة عبارة عن مبنى صغير من دور واحد، يقع وسط الحقول الزراعية.
نظراً لبعد القرية عن مدينة الحسينية، وعدم وجود طرق ممهدة، واجهت فرق الإنقاذ صعوبات كبيرة في الوصول إلى مكان الحادث. لذلك، بادر أهالي القرية إلى تشكيل فرق إنقاذ عاجلة، مستخدمين الجرارات الزراعية لنقل المصابين والشهداء إلى مستشفى الحسينية. وقد كانت المشاهد مروعة، حيث تم العثور على بقايا أجساد الأطفال متناثرة بين الأنقاض.
وارتفع عدد الشهداء في مستشفى الحسينية إلى 30 طفلاً، تتراوح أعمارهم بين السادسة والثانية عشر عاماً، من بين 86 طالباً كانوا حاضرين في المدرسة. بالإضافة إلى ذلك، أصيب العديد من الطلاب بجروح بالغة، وتعرّضوا لتشوهات دائمة.
الذريعة الإسرائيلية وردود الفعل
زعم الجانب الإسرائيلي أن الغارة الجوية استهدفت مواقع عسكرية فقط، وأن المدرسة كانت تقع داخل منشأة عسكرية. وقد صرح وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان بأنه واثق من أن سلاح الجو الإسرائيلي ضرب هدفاً عسكرياً غرب قناة السويس.
لكن هذه الادعاءات قوبلت بشك واسع النطاق. فقد أشارت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها بعد أربعة أيام من المجزرة إلى أن المدرسة لم يتبق منها سوى بقايا كتب مدرسية وسبورات متناثرة، ولم يكن هناك أي دليل على وجود أسلحة أو معدات عسكرية في الموقع.
أثارت المجزرة موجة غضب واسعة النطاق في العالم العربي والدولي. فقد نددت العديد من العواصم العربية بالهجوم، واعتبرته عملاً وحشياً يتنافى مع جميع الأعراف والقوانين الإنسانية. وقدمت مصر شكوى رسمية إلى الأمم المتحدة، مطالبة بعقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن.
كما أعرب الاتحاد السوفيتي عن إدانته الشديدة للمجزرة، مشيراً إلى أن إسرائيل لم تنتقم من الجيش، بل انتقمت من أطفال أبرياء. وفي الولايات المتحدة، وصفت الخارجية الأمريكية الحادث بأنه “أنباء مفزعة”، ودعت إلى الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن وقف إطلاق النار.
تداعيات المجزرة وأهميتها التاريخية
ساهمت مجزرة مدرسة بحر البقر في زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل، ودفعها إلى تأجيل إمدادات الأسلحة الأمريكية. كما أدت إلى تعزيز الدعم العربي لمصر في “حرب الاستنزاف”، التي كانت تدور رحاها في ذلك الوقت.
تظل هذه المجزرة وصمة عار في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وتذكرنا بأهمية حماية المدنيين، وخاصة الأطفال، في جميع الظروف. كما أنها تؤكد على ضرورة تحقيق العدالة والمساءلة عن الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية.
مع مرور أكثر من خمسة عقود على وقوع مجزرة بحر البقر، لا يزال البحث عن الحقيقة والعدالة مستمراً. ومن المتوقع أن تستمر هذه القضية في إثارة الجدل والنقاش في الأوساط السياسية والقانونية، حتى يتم تحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم. وستظل ذكرى هؤلاء الأطفال الأبرياء حية في ذاكرة الأجيال القادمة، كرمز للمعاناة والألم الذي خلفه الصراع.
