تتحرك قطر لتعديل موازين إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال في أعقاب هجمات استهدفت بنيتها التحتية للطاقة في مارس 2026، مما أدى إلى انخفاض الصادرات بنحو 17%. يمثل مشروع “غولدن باس” في الولايات المتحدة، الذي بدأ الإنتاج الأولي منه مؤخرًا، خطوة استراتيجية لتعويض هذه الخسائر وتأمين إمدادات الغاز الطبيعي المسال في ظل اضطرابات متزايدة في الأسواق العالمية.
أظهرت البيانات أن الهجمات تسببت في خسارة فعلية تقدر بنحو 12 مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال، نتيجة لتوقف جزئي في منشآت رئيسية. أعلنت “قطر للطاقة” حالة القوة القاهرة وعلقت التزاماتها التعاقدية مع بعض الأسواق الدولية استجابةً لهذه التطورات. يأتي هذا في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة العالمي تقلبات حادة بسبب التوترات الجيوسياسية وتغيرات في ديناميكيات العرض والطلب.
تعويض الخسائر من خلال مشروع غولدن باس
قبل الهجمات، كانت قطر تحتفظ بمستويات إنتاج مستقرة من الغاز الطبيعي المسال، مع قدرة تصديرية عالية من منشآت رأس لفان. كانت هذه المنشآت تلعب دورًا حيويًا في تلبية الطلب العالمي، خاصة في آسيا وأوروبا. ومع ذلك، أدت الهجمات إلى تقليل القدرة التصديرية بنسبة كبيرة، مما استدعى البحث عن بدائل لتعويض النقص.
يبرز مشروع “غولدن باس” كأحد هذه البدائل، حيث تبلغ طاقته الإنتاجية حوالي 18 مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال. تحصل “قطر للطاقة” على حوالي 70% من هذا الإنتاج، أي ما يقارب 12.7 مليون طن سنويًا، وهو رقم قريب من حجم الخسارة التي تكبدتها قطر نتيجة للهجمات. هذا التطابق الرقمي يعكس التخطيط الاستراتيجي للشركة القطرية في تأمين مصادر بديلة للإمدادات.
استثمار طويل الأمد يتحول إلى أداة تعويض
تم اتخاذ القرار الاستثماري النهائي لمشروع “غولدن باس” في فبراير 2019 كجزء من خطة “قطر للطاقة” لتوسيع استثماراتها الدولية في قطاع الطاقة. بلغت الاستثمارات في المشروع أكثر من 10 مليارات دولار، وتشير التقديرات الحديثة إلى أنها تجاوزت 11.5 مليار دولار. يمثل هذا المشروع أكبر استثمار لقطر في الولايات المتحدة، وهو مشروع مشترك مع “إكسون موبيل” التي تمتلك 30% من الحصة.
واجه المشروع بعض التحديات التشغيلية خلال مرحلة التنفيذ، بما في ذلك تعثر المقاول الرئيسي، مما أدى إلى تأخير الجدول الزمني. تم التوصل إلى تسوية في عام 2024 سمحت باستكمال الأعمال وإعادة المشروع إلى مساره الصحيح. بدأ المشروع الآن مرحلة التشغيل التدريجي، ومن المتوقع أن يصل إلى طاقته الإنتاجية الكاملة في المستقبل القريب.
توزيع الإنتاج وتأثيره على الأسواق
يتيح هيكل المشروع لكل من “قطر للطاقة” و”إكسون موبيل” حرية التصرف في حصصهما من الإنتاج، مما يسمح بتوجيه الشحنات نحو الأسواق الأكثر طلبًا. تحصل “قطر للطاقة” على حوالي 12.7 مليون طن سنويًا، بينما تحصل “إكسون موبيل” على حوالي 5.4 مليون طن. يضمن هذا التوزيع توازنًا في الإنتاج بين الشريكين ومرونة في التسويق.
يستفيد المشروع من موقعه في سابين باس بولاية تكساس، مما يمنحه ميزة الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، بالإضافة إلى إمكانية إعادة توجيه الشحنات إلى آسيا. تعتبر الطاقة الإنتاجية للمشروع، التي تقدر بحوالي 2.6 مليار قدم مكعبة يوميًا من الغاز، كبيرة وتساهم في تعزيز إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.
يعتبر هذا المشروع نموذجًا لاستراتيجية التحوط التي تتبعها قطر في قطاع الطاقة، حيث لا تعتمد فقط على الإنتاج المحلي، بل توسع حضورها عالميًا لتأمين استقرار الإمدادات والعوائد. يقول المحلل الاقتصادي أحمد عايد إن هذه الخطوة تعزز قدرة قطر على مواجهة الصدمات والحفاظ على موقعها كمورد رئيسي للغاز على مستوى العالم.
توقعات مستقبلية
يتزامن بدء تشغيل مشروع “غولدن باس” مع فترة اضطراب حاد في أسواق الطاقة العالمية، مما يزيد من أهميته في تلبية الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي المسال. من المتوقع أن يلعب المشروع دورًا حيويًا في استقرار الأسواق وتوفير إمدادات إضافية في ظل التوترات الجيوسياسية وتغيرات ديناميكيات العرض والطلب. سيراقب السوق عن كثب مدى سرعة وصول المشروع إلى طاقته الإنتاجية الكاملة وتأثيره على أسعار الغاز الطبيعي المسال في الربع الثاني من عام 2026.
من المرجح أن تستمر قطر في تقييم استثماراتها في قطاع الطاقة وتنويع مصادرها لضمان استدامة الإمدادات وتعزيز مكانتها في السوق العالمية.
