تواجه صناعة الإعلام تحديات كبيرة في العصر الرقمي، وتحديداً مع التطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي. أظهر تقرير حديث لمعهد رويترز لدراسة الصحافة أن المسؤولين التنفيذيين في وسائل الإعلام يتوقعون انخفاضاً ملحوظاً في حركة المرور إلى مواقعهم الإخبارية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الوصول إلى الأخبار عبر الإنترنت.
تأثير الذكاء الاصطناعي على حركة المرور إلى المواقع الإخبارية
يشير التقرير إلى أن حوالي 43% من المسؤولين التنفيذيين يتوقعون انخفاضاً في زيارات المواقع الإخبارية خلال السنوات الثلاث القادمة. يعزى هذا التراجع بشكل كبير إلى تغير سلوك المستخدمين، الذين يتجهون بشكل متزايد نحو تطبيقات الدردشة الذكية والحصول على ملخصات إخبارية فورية بدلاً من زيارة المواقع الإخبارية التقليدية مباشرةً. هذا التحول يمثل تحدياً كبيراً للمؤسسات الإعلامية التي اعتمدت تاريخياً على محركات البحث لجذب القراء.
وفقاً للبيانات، انخفضت حركة المرور القادمة من محرك البحث جوجل إلى المواقع الإخبارية بنسبة 33% على مستوى العالم. يعكس هذا الانخفاض قدرة متزايدة لمنصات الذكاء الاصطناعي على تقديم المعلومات مباشرةً للمستخدمين، متجاوزةً بذلك دور المواقع الإخبارية كوسيط رئيسي.
تراجع ثقة قيادات الإعلام
أظهر الاستطلاع أيضاً تراجعاً في ثقة قيادات الإعلام بمستقبل الصحافة، حيث بلغت 38% فقط مقارنة بـ 60% قبل أربع سنوات. يعكس هذا الانخفاض حالة القلق السائدة في القطاع بشأن التهديدات التي تشكلها التطورات التكنولوجية، وخاصةً الذكاء الاصطناعي، على نموذج عملهم التقليدي.
يشير نيك نيومان، الباحث في معهد رويترز، إلى أن “عصر حركة المرور” الذي اعتمدت عليه المؤسسات الإعلامية لسنوات طويلة يقترب من نهايته. ويضيف أن منصات الذكاء الاصطناعي قد تجعل الوصول إلى الأخبار أسهل، لكنها في الوقت نفسه قد تقلل من أهمية العلامات التجارية الصحفية المعروفة.
استجابة المؤسسات الإعلامية للتحديات الجديدة
في مواجهة هذه التحديات، بدأت بعض المؤسسات الإعلامية في استكشاف استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، مثل كتابة العناوين أو إعداد الملخصات الإخبارية. ومع ذلك، أظهرت تجارب حديثة، بما في ذلك تجربة “واشنطن بوست” في إنتاج بودكاستات آلية، أن الاعتماد المفرط على هذه التقنيات قد يؤدي إلى أخطاء تحريرية أو نشر معلومات غير دقيقة.
نتيجة لذلك، تخطط العديد من المؤسسات الإعلامية للتركيز على أنواع معينة من المحتوى التي يصعب على الذكاء الاصطناعي تكرارها، مثل التحقيقات الصحفية المعمقة، والتقارير الميدانية، والقصص الإنسانية. يهدف هذا التحول إلى تمييز المحتوى الذي تقدمه هذه المؤسسات عن الملخصات الإخبارية الآلية التي تنتجها منصات الذكاء الاصطناعي.
بالإضافة إلى ذلك، تدرس المؤسسات الإعلامية توجيه المزيد من الصحفيين نحو إنتاج محتوى مرئي قصير، مثل مقاطع الفيديو والصور، لتعزيز حضورها على منصات التواصل الاجتماعي. يأتي هذا في ظل تزايد شعبية هذه المنصات كمصدر رئيسي للأخبار والمعلومات، وخاصةً بين الشباب. الاستثمار في المحتوى الرقمي المتنوع يعتبر استراتيجية رئيسية للتكيف مع المشهد الإعلامي المتغير.
التركيز على الجودة والموثوقية
مع تزايد انتشار المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة، يدرك الناشرون أهمية التركيز على الجودة والموثوقية في المحتوى الذي يقدمونه. يعتبر بناء الثقة مع الجمهور أمراً بالغ الأهمية في ظل المنافسة الشديدة من منصات الذكاء الاصطناعي والمصادر الأخرى للأخبار.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة المزيد من التجارب والابتكارات في مجال استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة. سيكون من المهم مراقبة كيفية تأثير هذه التطورات على نموذج عمل المؤسسات الإعلامية، وعلى جودة وموثوقية الأخبار التي تصل إلى الجمهور. كما يجب متابعة ردود فعل الجمهور على هذه التغييرات، وتقييم مدى نجاح المؤسسات الإعلامية في التكيف مع المشهد الإعلامي الجديد.
في الختام، يظل مستقبل صناعة الإعلام غير مؤكدًا في ظل التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي. من المرجح أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة المزيد من التغييرات والتحولات في هذا القطاع، وسيتطلب الأمر من المؤسسات الإعلامية أن تكون مرنة وقادرة على التكيف من أجل البقاء والازدهار.
