يشهد قطاع التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية انتشاراً متزايداً لأنظمة المراقبة الرقمية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بهدف الكشف عن أي مؤشرات تدل على سلوك عنيف أو تهديدات محتملة بين الطلاب. ومع ذلك، تثير هذه الأنظمة قلقاً متزايداً بسبب ارتفاع معدلات “الإنذارات الكاذبة” التي تؤدي إلى اعتقالات واحتجازات غير مبررة، مما يثير تساؤلات حول فعالية وسلامة استخدام المراقبة الرقمية في المدارس.
تزايد الاعتقالات بسبب الإنذارات الكاذبة
أظهرت تقارير حديثة أن أنظمة المراقبة الرقمية، مثل نظام “Gaggle”، تسجل أعداداً كبيرة من التنبيهات التي لا تمثل تهديدات حقيقية. ففي منطقة مدارس بولك بولاية فلوريدا، على سبيل المثال، أدت هذه الأنظمة إلى اعتقال أو احتجاز ما لا يقل عن 72 طالباً خلال أربع سنوات، بناءً على بلاغات رصدتها تقنيات المراقبة، غالباً ما كانت نتيجة لمزاح أو تعليقات غير ناضجة على الإنترنت.
وبحسب صحيفة Milwaukee Independent، سجلت إحدى مناطق ولاية كانساس أكثر من 1200 تنبيه عبر نظام “Gaggle” خلال عشرة أشهر فقط، لكن ثلثي هذه التنبيهات لم تكن مرتبطة بتهديدات فعلية. هذه الأرقام تثير مخاوف بشأن دقة هذه الأنظمة وقدرتها على التمييز بين التهديدات الحقيقية والتعبيرات غير الضارة.
تأثير القوانين الصارمة
تفاقم المشكلة بسبب القوانين الصارمة في بعض الولايات، مثل تينيسي وفلوريدا، التي تلزم المدارس بإبلاغ الشرطة عن أي تلميح للعنف، حتى لو كان بلا سياق أو لا يمثل خطراً حقيقياً. هذه القوانين تزيد من احتمالية تدخل الشرطة في حالات قد تكون مجرد سوء فهم أو تعبير عن مشاعر المراهقة.
الآثار النفسية والقانونية على الطلاب
يؤكد محامون وخبراء في مجال حقوق الطفل أن العديد من الطلاب الذين تم اعتقالهم أو احتجازهم تعرضوا لتجارب صادمة، بما في ذلك الاعتقال والتحقيق والتفتيش الجسدي، دون أن يكونوا على علم بأن رسائلهم الإلكترونية ومحادثاتهم تخضع للمراقبة. وفي معظم الحالات، لم يكن هناك أي تهديد حقيقي أو نية للعنف.
وتشير الدراسات إلى أن التعرض للاحتجاز في سن المراهقة، حتى لفترات قصيرة، يمكن أن يؤثر سلباً على فرص النمو السليم للطلاب، سواء من ناحية فرص العمل أو الصحة النفسية أو احتمالات العودة إلى الإجرام. هذا يثير تساؤلات حول التكلفة الاجتماعية لهذه السياسات.
وتقول ليسلي ماثيس، وهي أم لطالبة في الصف الثامن، إن ابنتها اعتُقلت وقضت ليلة في الحجز بسبب مزحة إلكترونية بين الزملاء، واصفة ما حدث بأنه نتيجة مباشرة “لتقنية غير مدروسة لا تضع السياق في الاعتبار”. هذه الحالات تسلط الضوء على الحاجة إلى تقييم دقيق لتأثير هذه الأنظمة على حياة الطلاب.
تبريرات المدارس ومخاوف الخبراء
يبرر بعض مسؤولي المدارس استمرار الاعتماد على هذه الأنظمة باعتبارها “تضحية ضرورية من أجل مصلحة الجميع”، على الرغم من غياب أدلة قاطعة على أن المراقبة الرقمية تساهم فعلياً في الحد من العنف المدرسي. ويرون أن هذه الأنظمة توفر طبقة إضافية من الأمان في بيئة مدرسية متزايدة التعقيد.
في المقابل، يحذر خبراء في مجال الخصوصية وحقوق الطفل من أن هذه الأنظمة يمكن أن تنتهك حقوق الطلاب في الخصوصية وحرية التعبير. ويشيرون إلى أن المراقبة المستمرة يمكن أن تخلق جواً من الخوف وعدم الثقة في المدارس، مما قد يؤثر سلباً على المناخ التعليمي. كما أن استخدام تحليل البيانات في هذه الأنظمة يثير مخاوف بشأن الدقة والتحيز المحتمل.
بالإضافة إلى ذلك، يرى البعض أن التركيز على المراقبة الرقمية يصرف الانتباه عن الأسباب الجذرية للعنف المدرسي، مثل المشاكل النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الطلاب. ويرون أن الاستثمار في برامج الدعم النفسي والاجتماعي يمكن أن يكون أكثر فعالية في منع العنف.
الخطوات المستقبلية
من المتوقع أن تشهد الولايات المتحدة الأمريكية المزيد من النقاش حول استخدام أنظمة المراقبة في المدارس في الأشهر القادمة. من المرجح أن تركز هذه المناقشات على الحاجة إلى وضع سياسات واضحة تحدد نطاق المراقبة وحماية حقوق الطلاب. كما من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من الدراسات لتقييم فعالية هذه الأنظمة وتأثيرها على الطلاب. من المقرر أن تقدم لجنة التعليم في الكونجرس تقريراً حول هذا الموضوع بحلول نهاية العام الجاري، مما قد يؤدي إلى تغييرات في القوانين واللوائح المتعلقة بالمراقبة الرقمية في المدارس.
