كشفت تسريبات لبرنامج “المتحري” على قناة الجزيرة عن شبكة معقدة تضم ضباطاً سابقين في نظام بشار الأسد، تهدف إلى زعزعة الاستقرار في سوريا، مما يثير قلقاً إقليمياً ودولياً. وتأتي هذه التسريبات في وقت تسعى فيه الحكومة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إلى ترسيخ سلطتها وتحقيق المصالحة الوطنية. وتشير التحليلات إلى أن هذه التحركات قد تؤدي إلى تصعيد التوترات وتؤثر على الأمن الإقليمي بشكل عام، ما يستدعي مراقبة دقيقة للأوضاع.
أكد السفير الأميركي السابق لدى سوريا، روبرت فورد، أن هذه التسريبات تؤكد وجود جهود منظمة لتقويض الحكومة الحالية في دمشق. وذكرت “نيويورك تايمز” في تحقيق سابق، تورط كمال الحسن وسهيل الحسن في إنشاء شبكات مالية مشبوهة انطلاقاً من بيروت. وتستمر الولايات المتحدة، حسب فورد، في متابعة تطورات الأوضاع في سوريا، والتأكيد على دعمها لحكومة الشرع، مع الحذر من أي تهديدات للاستقرار.
تهديد الاستقرار في سوريا وكتائب من فلول النظام
تظهر الوثائق المسربة هيكلية تنظيمية لهذه الشبكة، حيث يحتل سهيل الحسن، قائد قوات النخبة السابق في جيش النظام، المرتبة الثانية بعد رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد.
ويتولى العميد السابق غياث دلا منصبًا بارزًا في هذا الهيكل التنظيمي. وتكشف التسريبات عن تمركز مجموعات من فلول النظام في محافظات سورية رئيسية، بما في ذلك حمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودمشق، مما يثير مخاوف بشأن قدرتها على تنفيذ عمليات تخريبية.
الزاوية الأكثر إثارة للقلق في هذا الملف، وفقًا للصحفي والمحلل السياسي يوسف دياب، هي الضغوط الدولية المتزايدة على لبنان. حيث كشف دياب أن الحكومة السورية الجديدة قد قدمت إلى السلطات اللبنانية قائمة بأسماء حوالي 200 ضابط من جيش النظام السابق والمخابرات الجوية، يُعتقد بوجودهم داخل الأراضي اللبنانية، مع مطالبة باستردادهم.
في المقابل، تنفي بيروت رسميًا وجود هؤلاء الضباط على أراضيها. ومع ذلك، فإن هذا الملف يضع لبنان في موقف صعب، حيث يخشى المراقبون من أن يتحول إلى منصة عمليات تستهدف الاستقرار في سوريا.
تداعيات دولية وضغوط متصاعدة
تتضمن الضغوط الدولية على لبنان مذكرة من “الإنتربول” الأميركي تطالب بتوقيف اللواء جميل الحسن واللواء علي مملوك في حال وجودهما على الأراضي اللبنانية. بالإضافة إلى ذلك، قدمت استنابة قضائية فرنسية معلومات وأرقام هواتف لـ11 ضابطًا كبيرًا يُعتقد بوجودهم في لبنان أو بإدارتهم عمليات منه، بمن فيهم اللواء عبد السلام محمود.
وحذر دياب من أن الوضع في لبنان لا يمكنه تحمل المزيد من التدخلات في الصراع السوري، مشيرًا إلى حادثة مقتل العميد نعسان السخني، المقرب من سهيل الحسن، في منطقة كسروان شمال بيروت الأسبوع الماضي. ويوضح مقتل السخني أن هؤلاء الضباط قد يكونون متواجدين في مناطق لا تخضع لنفوذ حزب الله، بل في مناطق معارضة للنظام السابق، نتيجة خلافات مالية حول تصفية الأصول.
من جهته، يرى الخبير الأمني والاستراتيجي السوري عصمت العبسي أن الوثائق المسربة تكشف عن حجم “التآكل الداخلي” الذي يعاني منه فلول النظام. ويؤكد العبسي أن التسجيلات، التي تقدر بنحو 72 ساعة، تعكس كم المراسلات بين عناصر النظام السابق، وتدعم الرواية السورية حول الأحداث التي وقعت في الساحل السوري، وتكشف عن الفساد المتفشي والتعاون مع الأطراف المعادية بهدف تقويض أمن سوريا.
يشير العبسي إلى أن التسجيلات تظهر صراعاً حاداً على النفوذ بين الضباط، لا سيما بين جماعات مثل “غزال غزال” من جهة، وسهيل الحسن ورامي مخلوف من جهة أخرى، ويعتقد أنهم مستعدون للتحالف مع أي طرف من أجل استعادة سلطتهم. ويضيف أن المخابرات السورية الجديدة قد رصدت محاولات لتسلل هؤلاء الضباط من الحدود اللبنانية، وتمكنت من ضبط شحنات الأسلحة والمستودعات التابعة لهم، مما يؤكد صحة رواية الحكومة حول مصادر الاضطرابات في الساحل.
الوضع المالي يلعب دورًا محوريًا في تفاقم التوترات، حيث تظهر التسريبات خلافات حادة حول تصفية الأموال والممتلكات التي تم تهريبها خلال فترة الحرب. هذا الصراع المالي قد يدفع بعض العناصر إلى التحالف مع جهات خارجية في مقابل الحصول على دعم مالي أو لوجستي.
من المتوقع أن تستمر الحكومة السورية في الضغط على لبنان لتسليم الضباط المطلوبين، بينما تتزايد المخاوف من أن هذا الملف قد يؤدي إلى تصعيد التوترات الإقليمية. ومن الضروري مراقبة تطورات الأوضاع على الحدود السورية اللبنانية، والتحركات الدبلوماسية التي تبذلها الأطراف المعنية، في إطار جهود احتواء الأزمة والحفاظ على الاستقرار في سوريا. قد يشهد الشهر القادم ردًا رسميًا من الحكومة اللبنانية على المطالب السورية، وهو ما سيكون له تداعيات كبيرة على العلاقات الثنائية والأمن الإقليمي.
