تشير بيانات حديثة للأمم المتحدة إلى تصاعد ملحوظ في عمليات هدم المنازل الفلسطينية في مدينة القدس المحتلة، خاصةً منذ بدء الحرب في غزة في أكتوبر 2023. وتتركز هذه العمليات بشكل أساسي داخل الأحياء والبلدات الفلسطينية داخل المدينة، مما يؤدي إلى نزوح وتضرر آلاف السكان. وتثير هذه الزيادة في الهدم مخاوف بشأن الأوضاع الإنسانية وحقوق الفلسطينيين في المدينة.
وبحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، فقد هدمت سلطات الاحتلال 547 منشأة فلسطينية في القدس منذ بداية الحرب وحتى الأول من فبراير 2026. أدى ذلك إلى تهجير 1426 فلسطينياً وتضرر ما يقارب 133 ألف شخص آخرين. وتشكل هذه الأرقام ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالفترات السابقة، مما يعكس تصعيداً في سياسات الهدم.
تزايد وتيرة هدم المنازل الفلسطينية في القدس
تأتي عمليات الهدم هذه في سياق طويل الأمد من القيود المفروضة على البناء للمقيمين الفلسطينيين في القدس. تفرض السلطات الإسرائيلية شروطاً تعجيزية للحصول على تراخيص البناء، مما يدفع العديد من الفلسطينيين إلى البناء دون ترخيص لتلبية احتياجاتهم الأساسية. وبالتالي، يصبح البناء غير المرخص ذريعة رئيسية لعمليات الهدم.
أسباب الهدم والقيود الإسرائيلية
وفقاً لـ “أوتشا”، فإن الغالبية العظمى من عمليات الهدم – 536 منشأة – تمت بذريعة البناء دون ترخيص. يُضاف إلى ذلك، أن هناك ما يقدر بنحو 15 ألف قرار هدم معلق فوق رؤوس الفلسطينيين في القدس، مما يهدد بمزيد من التصعيد في المستقبل القريب. تعتبر هذه القرارات بمثابة سيف مسلط على السكان، وتزيد من حالة عدم اليقين والقلق.
بالإضافة إلى ذلك، يواجه الفلسطينيون صعوبات في الحصول على تراخيص البناء بسبب التخطيط العمراني التمييزي الذي تتبعه السلطات الإسرائيلية. غالباً ما يتم رفض طلبات البناء أو تأخيرها بشكل كبير، مما يجبر السكان على اللجوء إلى البناء غير القانوني لتوفير مساكن مناسبة لعائلاتهم. هذه السياسات تساهم في تفاقم أزمة الإسكان في القدس الشرقية.
توزيع عمليات الهدم جغرافياً
تتركز عمليات الهدم في عدة أحياء فلسطينية رئيسية داخل مدينة القدس. تشمل المناطق الأكثر تضرراً سلوان (106 منشآت مهدومة)، وجبل المكبر (81 منشأة)، وبيت حنينا (62 منشأة)، وصور باهر (59 منشأة)، والعيسوية (55 منشأة). كما شهدت مناطق الولجة ومخيم شعفاط أيضاً عمليات هدم واسعة النطاق. هذا التوزيع الجغرافي يظهر أن الهدم ليس عشوائياً، بل يستهدف بشكل منهجي الأحياء الفلسطينية.
وبالنظر إلى طبيعة المنشآت المهدومة، فقد تم هدم 283 مسكناً مأهولاً، بالإضافة إلى 94 منشأة زراعية و92 منشأة تجارية. هذا يشير إلى أن عمليات الهدم تؤثر على جميع جوانب الحياة الفلسطينية في القدس، بما في ذلك السكن والزراعة والاقتصاد. وتؤدي هذه العمليات إلى تدمير سبل العيش وتفاقم الأوضاع المعيشية للسكان.
وعلى صعيد السنوات، فقد سجل عام 2025 أعلى عدد من عمليات الهدم بـ 257 منشأة، تلاه عام 2024 بـ 219 منشأة، ثم 59 منشأة منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023 وحتى نهاية العام. هذا التسلسل الزمني يوضح أن وتيرة الهدم تتزايد بشكل مطرد، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً لوقف هذه الانتهاكات.
تأثيرات الهدم على الأوضاع الإنسانية والسياسية
تتجاوز تأثيرات هدم المنازل الأبعاد المادية لتدمير الممتلكات. فهي تؤدي إلى نزوح السكان، وتدمير البنية التحتية، وتفاقم الأوضاع الإنسانية. كما أنها تساهم في زيادة التوتر السياسي وتعرقل جهود السلام. بالإضافة إلى ذلك، فإن عمليات الهدم تعتبر انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر تدمير الممتلكات المدنية بشكل عشوائي.
وتشكل قضية القدس الشرقية محوراً رئيسياً في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. يطالب الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقبلية، بينما تعتبر إسرائيل القدس بأكملها عاصمة أبدية لها. تعتبر عمليات الهدم جزءاً من سياسة إسرائيلية تهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للقدس الشرقية وترسيخ سيطرتها على المدينة. تعتبر هذه السياسات عقبة رئيسية أمام تحقيق سلام دائم.
من المتوقع أن يستمر المجتمع الدولي في إدانة عمليات الهدم الإسرائيلية في القدس، والمطالبة بوقفها فوراً. من المرجح أن يتم طرح هذه القضية في المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت هذه الجهود ستؤدي إلى تغيير حقيقي على الأرض. يجب مراقبة التطورات في القدس عن كثب، وتقييم تأثيرها على الأوضاع الإنسانية والسياسية في المنطقة. من المتوقع صدور تقرير جديد من “أوتشا” في يونيو 2026 يقدم تحليلاً مفصلاً لأحدث التطورات في هذا الشأن.
