تساءلت صحيفة نيويورك تايمز عن أسباب صمت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حيال تحدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتدخل في فنزويلا، الشريك الاستراتيجي لموسكو في أمريكا اللاتينية. هذا الصمت يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الروسية الأمريكية، خاصة في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة، ويضع علامة استفهام حول قدرة روسيا على حماية مصالحها في الخارج. يركز هذا المقال على تحليل أسباب هذا الموقف الروسي المتغير، وتأثيره على السياسة الخارجية لروسيا.
بدأ الأمر باجتماع في مايو الماضي بالكرملين بين بوتين والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث تحدثا عن مستقبل واعد للعلاقات الثنائية. لكن بعد ثمانية أشهر، أُلقي القبض على مادورو في الولايات المتحدة، في عملية عسكرية أمر بها الرئيس ترامب. هذا الحدث أثار جدلاً واسعاً، لكن رد فعل بوتين كان محدوداً للغاية، مما يعكس تحولاً ملحوظاً في استراتيجية موسكو.
تحول في السياسة الخارجية الروسية: صمت موسكو وتأثيره على فنزويلا
يُظهر صمت بوتين تحولاً في النهج الروسي، حيث يبدو أن موسكو تسعى إلى التقليل من أهمية الإجراءات الأمريكية التي كانت في الماضي تثير غضبها. وفقًا للصحيفة، أصبح بوتين حريصًا على تجنب أي تصعيد مع الإدارة الأمريكية، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن حلفاء تقليديين مثل فنزويلا. هذا التحول يأتي في سياق سعي روسيا لتحقيق مكاسب في أوكرانيا، وتجنب أي تورط في قضايا دولية أخرى قد تعرقل هذا الهدف.
بالإضافة إلى ذلك، حافظ بوتين على صمته حتى عندما استولت القوات الأمريكية على ناقلة نفط روسية خاضعة للعقوبات. اكتفت روسيا ببيان مقتضب من وزارة النقل، وهو ما وصفته نيويورك تايمز بأنه “ضبط للنفس غير معتاد”. هذا التطور يعكس حالة من الحذر الشديد في موسكو، وتجنب أي مواجهة مباشرة مع واشنطن.
أولويات روسيا المتغيرة: أوكرانيا في المقدمة
ترى هانا نوت، مديرة برنامج أوراسيا في مركز جيمس مارتن، أن بوتين يركز بشكل كامل على “تحقيق النصر في أوكرانيا”. وبالتالي، فإن استفزاز الإدارة الأمريكية في أمريكا اللاتينية ليس في مصلحته. هذا التحول في الأولويات يعكس حالة من إعادة تقييم استراتيجي في موسكو، حيث أصبحت أوكرانيا القضية الأكثر أهمية بالنسبة للكرملين.
علاوة على ذلك، تشير التحليلات إلى أن قدرات روسيا أصبحت محدودة بعد تراجع نفوذها العالمي. فالحرب في أوكرانيا استنزفت موارد روسيا، مما جعلها غير قادرة على مواجهة الضغوط الغربية. هذا الوضع يحد من قدرة موسكو على التدخل في مجريات الأحداث في الدول الحليفة، كما حدث في سوريا في أواخر عام 2024.
تأثيرات أوسع: حدود النفوذ الروسي وتوقعات مستقبلية
ويرى ألكسندر غابوييف، مدير مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا، أن روسيا لم تعد تمتلك الموارد الكافية لتحقيق طموحاتها، ولم تعد قادرة على خوض حرب ضد الولايات المتحدة دفاعًا عن فنزويلا. هذا الاعتراف الضمني بالحدود الروسية يمثل تحولاً كبيراً في الخطاب الرسمي في موسكو.
كما تأخذ موسكو في الاعتبار قوة الرئيس ترامب في التأثير على الوضع في روسيا وأوكرانيا وأوروبا. واشنطن لا تزال تقدم الدعم العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا، مما يعزز موقفها التفاوضي. هذا الواقع يفرض قيودًا إضافية على خيارات روسيا.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تستمر روسيا في اتباع نهج حذر تجاه الولايات المتحدة، مع التركيز على تحقيق أهدافها في أوكرانيا. من غير المرجح أن تتدخل موسكو بشكل مباشر في فنزويلا، على الرغم من العلاقات الوثيقة بين البلدين. يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا التحول في السياسة الخارجية الروسية سيكون دائمًا، أم أنه مجرد تكتيك مؤقت يهدف إلى تحقيق أهداف محددة. ستعتمد الإجابة على تطورات الأوضاع في أوكرانيا، والعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، والتحولات الداخلية في روسيا نفسها.
