في نوفمبر 2024، شهدت مدينة عدن، العاصمة اليمنية المؤقتة، تأسيس “التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية” الذي يضم 23 حزباً ومكوناً سياسياً بارزاً، بما في ذلك حزب التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي. يثير هذا الحدث تساؤلات حول جدوى تشكيل تكتلات سياسية في ظل تراجع الأداء والفعالية للعمل الحزبي في اليمن، خاصة مع وجود قيادات حزبية في الخارج وتوزع القواعد الميدانية بين النازحين داخل وخارج البلاد.
يعزو محللون وخبراء سياسيون هذا التراجع إلى حالة الحرب والتشرذم التي تعاني منها اليمن، والتي أثرت بشكل مباشر على قدرة الأحزاب على التأثير وصنع تحولات وطنية حقيقية. وتشكلت هذه التكتلات في محاولة لإعادة إحياء دور الأحزاب في المشهد السياسي اليمني المضطرب، لكن نجاحها يعتمد على قدرتها على تجاوز الانقسامات الداخلية والخارجية.
أهمية الأحزاب اليمنية في ظل التحديات
لطالما لعبت الأحزاب السياسية اليمنية دوراً محورياً في المعارضة السياسية، كما تجلى في تشكيل “اللقاء المشترك” الذي كان له تأثير كبير في المعادلة السياسية خلال فترة حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وقد مثلت هذه التجربة نموذجاً إيجابياً للتعاون بين أحزاب المعارضة المختلفة.
ومع ذلك، فقد تغيرت الأدوار والأهمية بعد انقلاب 2014، وتراجعت قدرة الأحزاب على التأثير. لكنها استمرت في دعم الشرعية والسعي لاستعادة الدولة وحماية المشروع الجمهوري، وهو ما انعكس في محاولات متكررة لتوحيد الصفوف وإصدار بيانات مشتركة لدعم موقف الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي.
تجربة التحالف الوطني
من أبرز هذه المحاولات تشكيل “التحالف الوطني للقوى السياسية” في أبريل 2019، والذي ترأسه رشاد العليمي قبل أن يتولى رئاسة مجلس القيادة الرئاسي. على الرغم من التحديات التي واجهها هذا التحالف، إلا أنه شكل تجربة إيجابية أعادت بعض الأمل في إمكانية التحالفات السياسية الوطنية.
ويرى مراقبون أن هذا التحالف ساهم في إحياء بعض الحيوية للأحزاب التي كادت تفقد شعبيتها وفعاليتها بسبب ظروف الحرب. ومع ذلك، لا يزال التحدي الأكبر هو تحقيق التوافق بين مختلف القوى السياسية وتجاوز الخلافات العميقة.
عوامل ضعف وتراجع الأحزاب
يشير خبراء إلى أن هناك عدة عوامل ساهمت في ضعف وتراجع الأحزاب السياسية في اليمن، بما في ذلك غياب الدولة الجامعة، وتفكك المجال العام، وتوقف المسار الانتخابي. كما أن هيمنة منطق القوة وتصاعد دور الفاعلين غير التقليديين أدى إلى تهميش العمل الحزبي المؤسسي.
بالإضافة إلى ذلك، يرى البعض أن الدعم الخارجي لأجندات معينة ساهم في نشر ثقافة الكراهية ومحاربة العمل الحزبي، مما أدى إلى تقويض الديمقراطية والتعددية السياسية. كما أن حالة الاستقطاب السياسي الحاد أدت إلى الانقسام في العديد من الأحزاب وتراجع قدرتها على التواصل مع الجماهير.
الفجوة بين القيادات والقواعد
تعتبر الفجوة بين القيادات الحزبية وقواعدها من أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب اليمنية. ويرجع ذلك إلى شيخوخة القيادات وغياب التداول الداخلي، واستمرار سيطرة المؤسسين على مفاصل القرار الحزبي. هذا الاحتكار أدى إلى إضعاف الثقة في الأحزاب وتراجع قدرتها على جذب الشباب.
كما أن غياب رؤية وطنية واضحة تلبي تطلعات الجماهير ساهم في تراجع شعبية الأحزاب. فالعديد من الأحزاب فشلت في بلورة مشروع وطني يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة ويستجيب للتحديات المصيرية التي تواجه اليمن.
المستقبل السياسي للأحزاب اليمنية
على الرغم من التحديات الكبيرة، لا يزال للأحزاب اليمنية دور مهم تلعبه في تشكيل المستقبل السياسي للبلاد. فالشارع اليمني لا يزال يحتفظ بذاكرة سياسية قوية، والأحزاب تمثل جزءاً من هذه الذاكرة. ومع ذلك، فإن قدرة الأحزاب على استعادة دورها الفاعل تعتمد على قدرتها على التجديد والتكيف مع المتغيرات الجديدة، وتجاوز الانقسامات الداخلية، وتقديم رؤية وطنية مقنعة.
من المتوقع أن يشهد اليمن في الفترة القادمة مزيداً من الجهود لتوحيد الصفوف السياسية وإعادة إحياء العمل الحزبي. لكن نجاح هذه الجهود يعتمد على إيجاد حلول للأزمة السياسية والاقتصادية التي يعاني منها البلاد، وتحقيق الأمن والاستقرار، وإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية المختلفة. وستظل التطورات السياسية والأمنية في اليمن هي المحرك الرئيسي لمستقبل الأحزاب ودورها في بناء الدولة.
