أكد مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) التزامه بالاتفاق الأخير مع الحكومة السورية، والذي يهدف إلى دمج قوات سوريا الديمقراطية (“قسد”) في الجيش السوري وإعادة هيكلة الإدارة في مناطق شمال وشرق سوريا. يثير هذا الاتفاق تساؤلات حول مستقبل الحكم الذاتي الكردي والتحولات المحتملة في المشهد السياسي والأمني السوري، خاصةً مع استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد. هذا التطور يمثل نقطة تحول في الصراع السوري المستمر.
جاء الإعلان بعد محادثات مكثفة استمرت لعدة أيام، بمشاركة قيادة “قسد” وأطراف إقليمية ودولية، بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا وحكومة إقليم كردستان العراق. وقد تم التوقيع على الاتفاق مساء الأحد بين الرئيس السوري أحمد الشرع وممثلي مجلس سوريا الديمقراطية، بعد فترة من التوتر والتقدم العسكري للجيش السوري في المنطقة.
آليات الدمج في الجيش السوري وقوات “قسد”
أوضح عبد الوهاب خليل، مسؤول لجنة العلاقات في مجلس سوريا الديمقراطية، أن الاتفاق يرتكز على دمج المؤسسات الإدارية والخدمية والأمنية والعسكرية في مناطق شمال وشرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية. وأكد خليل أن الهدف ليس “سيطرة” طرف على آخر، بل “إدارة الحكومة السورية وبسط إدارتها” على كامل الأراضي السورية، بما في ذلك المناطق التي كانت تحت سيطرة “قسد”.
تتضمن عملية الدمج، وفقًا للمسؤول، مناقشات تفصيلية حول آليات التنفيذ، بما في ذلك تحديد المناصب والمسؤوليات، وتوزيع الموارد، وضمان حقوق جميع المكونات السورية. من المتوقع أن تستغرق هذه المناقشات وقتًا، نظرًا للتعقيدات السياسية والأمنية القائمة.
تأثير الاتفاق على الإدارة الذاتية
يثير الاتفاق تساؤلات حول مصير الإدارة الذاتية الكردية التي نشأت في عام 2014، وسعت إلى تحقيق قدر من الحكم الذاتي في مناطق شمال وشرق سوريا. يرى البعض أن الاتفاق يمثل نهاية لهذا المشروع، بينما يؤكد آخرون أنه يمكن إعادة تفسير مفهوم الحكم الذاتي في إطار الدولة السورية الموحدة.
أشار خليل إلى أن اتفاق العاشر من مارس/آذار الماضي كان ينص بالفعل على دمج جميع المؤسسات، وأن الاتفاق الحالي يمثل استمرارًا لهذا المسار. وأضاف أن المجلس يدعم الحلول التوافقية ويرفض منطق الإخضاع أو الحسم بالقوة، مع التأكيد على أهمية الحوار الشامل لضمان حقوق جميع السوريين.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن تنفيذ هذا الدمج سيواجه تحديات كبيرة، نظرًا للاختلافات السياسية والأيديولوجية بين الأطراف المعنية، فضلاً عن مخاوف المكون الكردي بشأن الحفاظ على هويته الثقافية وحقوقه السياسية. الوضع الأمني في المنطقة، بما في ذلك خطر تنظيم الدولة الإسلامية، يمثل أيضًا عاملًا معقدًا في عملية الدمج.
الخلفية السياسية والأمنية
يأتي هذا الاتفاق في سياق تطورات أمنية وعسكرية متسارعة في سوريا، حيث تمكن الجيش السوري من بسط سيطرته على غرب نهر الفرات، بما في ذلك حقول نفطية استراتيجية. وقد أدى هذا التقدم إلى زيادة الضغوط على “قسد” والبحث عن صيغة تضمن حماية المنطقة ومصالح سكانها. قسد كانت تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على سيطرتها في ظل التهديدات المتعددة.
بالإضافة إلى ذلك، يشهد المشهد السياسي السوري تحولات تدريجية، مع تزايد الجهود الدولية والإقليمية لإيجاد حل سياسي للصراع. ويعتبر هذا الاتفاق خطوة نحو تحقيق الاستقرار وإعادة بناء سوريا، على الرغم من العقبات الكبيرة التي لا تزال قائمة. سوريا تمر بمرحلة انتقالية حرجة.
وفيما يتعلق بالدعم الدولي، أوضح خليل أن التحالف الدولي كان يركز على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وأن العلاقة معه كانت مبنية على هذا الأساس. وأشار إلى أن التحالفات الدولية متغيرة، وأن الخيار الأساس هو حوار سوري خالص يقود إلى حل سياسي شامل. الحوار السياسي هو المفتاح لمستقبل مستقر.
من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مفاوضات مكثفة بين الحكومة السورية ومجلس سوريا الديمقراطية حول تفاصيل عملية الدمج، بما في ذلك توزيع السلطة والمناصب، وضمان حقوق المكونات المختلفة. كما ستشمل هذه المفاوضات قضايا تتعلق بالدستور والبرلمان وبناء المؤسسات. الوضع لا يزال هشًا ويتطلب حذرًا شديدًا.
في الختام، يمثل الاتفاق الأخير بين مجلس سوريا الديمقراطية والحكومة السورية تطورًا هامًا في الصراع السوري، ولكنه يثير أيضًا العديد من التساؤلات حول مستقبل الحكم الذاتي الكردي وعملية الدمج في الجيش السوري. من الضروري مراقبة تطورات الأيام والأسابيع القادمة، وخاصةً نتائج المفاوضات الجارية، لتقييم الآثار الكاملة لهذا الاتفاق على المشهد السياسي والأمني في سوريا.
