أصدر القضاء التونسي، اليوم الجمعة، مذكرة توقيف بحق النائب في البرلمان أحمد السعيداني، على خلفية منشور على فيسبوك انتقد فيه الرئيس قيس سعيد بأسلوب ساخر. وتأتي هذه الخطوة في سياق متزايد من الجدل حول حرية التعبير في تونس، وتحديداً فيما يتعلق بالنقد الموجه للرئيس.
وكانت السلطات الأمنية قد اعتقلت السعيداني، الأربعاء الماضي، في ولاية بنزرت شمالي البلاد. وأكد الوكيل العام لدى المحكمة الابتدائية بتونس إصدار مذكرة التوقيف بتهمة “الإساءة إلى الغير عبر شبكات التواصل الاجتماعي”، مستنداً إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات. ويعاقب هذا الفصل بالسجن من سنة إلى سنتين وغرامة مالية تتراوح بين 100 و1000 دينار تونسي.
تدوينة السعيداني والاتهامات الموجهة
تعود القضية إلى منشور كتبه السعيداني -الثلاثاء- تعليقاً على اجتماع سعيد مع وزيرين على خلفية الأمطار الغزيرة والفيضانات التي ألحقت أضراراً بالبنية التحتية في عدة مناطق. وكتب النائب ساخراً أن “الرئيس قرر توسيع اختصاصه رسمياً ليشمل الطرقات والمصارف”، مضيفاً أن “اللقب الجديد سيكون القائد الأعلى للصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار”.
استمر النائب في منشور مطول ينتقد ما وصفه بالإشراف المباشر للرئيس على تفاصيل خدمية، وهو ما اعتبره البعض تجاوزاً لصلاحياته. هذا النقد أثار ردود فعل متباينة في الأوساط السياسية والشعبية، حيث اعتبره البعض تعبيراً عن رأي، بينما رآه آخرون تجاوزاً للحدود المقبولة في حرية التعبير.
ردود الفعل السياسية والقانونية
أعرب مكتب مجلس نواب الشعب عن قلقه إزاء توقيف السعيداني، داعياً إلى احترام الضمانات الدستورية المكفولة للنواب في أي إجراءات قضائية. وشدد المكتب على ضرورة الالتزام بالإجراءات القانونية، على الرغم من أن الدستور الجديد الذي أُقرّ عام 2022 سهّل رفع الحصانة البرلمانية.
ويرى مراقبون أن هذه القضية تثير تساؤلات حول مدى حرية النقد المسموح بها، حتى داخل المعسكر الداعم للسلطة، حيث كان السعيداني من المؤيدين لإجراءات 25 يوليو/تموز 2021 التي وسعت صلاحيات الرئيس. القانون التونسي يحمي حرية التعبير، ولكنه يضع قيوداً على التعبير الذي يمس بسمعة الآخرين أو يثير الفتنة.
السياق الأوسع وتراجع الحريات
تأتي هذه القضية في ظل انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية تونسية ودولية تتحدث عن تراجع الحريات العامة منذ تركيز السلطات بيد الرئيس قيس سعيد. وتشير هذه المنظمات إلى زيادة في قضايا التوقيف على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتضييق الخناق على المعارضين.
من جهته، ينفي الرئيس سعيد هذه الاتهامات، مؤكداً أن إجراءاته تهدف إلى “حماية الدولة” دون المساس بالحقوق والحريات. ويؤكد أن السلطات القضائية مستقلة وتمارس مهامها وفقاً للقانون. الوضع السياسي في تونس يشهد توترات متصاعدة، مع تزايد المطالبات بالعودة إلى النظام الديمقراطي الكامل.
ماذا بعد؟
من المقرر أن تُعقد أول جلسة قضائية للنظر في قضية السعيداني يوم الخميس المقبل. ومن المتوقع أن يشهد هذا الإجراء اهتماماً واسعاً من قبل وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية. يبقى من غير الواضح ما إذا كان سيتم إطلاق سراح السعيداني بكفالة أم سيظل قيد الاحتجاز حتى موعد المحاكمة. سيراقب المراقبون عن كثب تطورات هذه القضية، وما إذا كانت ستؤثر على مسار الحريات العامة في تونس.
