وثق تقرير حقوقي جديد صادر عن مؤسسات الأسرى الفلسطينيين ما يصفه بـ”جريمة إبادة ممنهجة” بحق الأسرى والمعتقلين في سجون ومعسكرات الاحتلال الإسرائيلي، بوصفها امتدادا “للإبادة الجماعية” في قطاع غزة وسائر الأراضي الفلسطينية. يشير التقرير إلى تصاعد حاد في الاعتقالات الإدارية والتشريعات الإسرائيلية الجديدة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية التي يعيشها الأسرى وتثير مخاوف دولية بشأن مستقبلهم.
ورصد التقرير تصاعدا غير مسبوق في حملات الاعتقال وأعداد المعتقلين الإداريين والمصنفين “مقاتلين غير شرعيين”، إلى جانب تشريعات إسرائيلية جديدة، أبرزها مشروع قانون إعدام الأسرى. وأكدت المؤسسات الحقوقية أن هذه الإجراءات تمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان الأساسية.
الأسرى الفلسطينيون: تصاعد الانتهاكات في ظل الحرب
وكشف التقرير عن استشهاد أكثر من 100 أسير ومعتقل منذ بدء الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تم الإعلان عن هويات 86 منهم، بينهم 32 أسيرا استُشهدوا خلال عام 2025، وبينهم طفل، في حين يواصل الاحتلال احتجاز جثامين 94 أسيرا. هذه الحصيلة تعكس تفاقم الأوضاع داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز.
ويشير التقرير إلى أن هذه الحصيلة غير مسبوقة تاريخيا، إذ تعادل عدد الأسرى الذين استُشهدوا في سجون ومعسكرات الاحتلال طوال 24 عاما بين 1967 و1991، مؤكدا أن ما يجري هو “إبادة ممنهجة” تستخدم التعذيب والتجويع والحرمان من العلاج والعنف الجنسي والعزل الجماعي كأدوات تنفيذ داخل السجون، وسط عجز دولي وحالة “استثناء” تبقي الاحتلال فوق المساءلة والمحاسبة. وتشير التحليلات إلى أن هناك نمطاً منهجياً من سوء المعاملة يهدف إلى تكسير إرادة الأسرى.
تفاصيل الاعتقالات والظروف داخل السجون
وثقت المؤسسات الحقوقية نحو 21 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية بما فيها القدس منذ بدء الحرب، من بينهم 1655 طفلا و650 امرأة، دون احتساب آلاف المعتقلين من غزة ومئات المعتقلين داخل أراضي 1948. هذا العدد الكبير من المعتقلات يضع ضغوطاً هائلة على البنية التحتية للسجون.
وخلال عام 2025 وحده سجل أكثر من 7000 اعتقال، بينهم 600 طفل و200 امرأة، إلى جانب 217 حالة اعتقال واحتجاز في صفوف الصحفيين، وأكثر من 360 من أفراد الطواقم الطبية، في سياق حملات ميدانية اتسمت بالتنكيل المنهجي، والتخريب الواسع للمنازل والبنى التحتية، واستخدام الرهائن والدروع البشرية. تصف المصادر القانونية هذه الاعتقالات بأنها “تعسفية” وتفتقر لأدلة دامغة.
وشهدت “إسرائيل” بعد الحرب تصعيدا تشريعيا غير مسبوق، مع إقرار أكثر من 30 قانونا وتعديلا جديدا رفعت عدد القوانين العنصرية إلى نحو 100، وكرّست نظام الفصل والقمع خاصة بحق الأسرى. وتأثير هذه القوانين على حقوق الأسرى يعتبر بالغ الأهمية.
وأتاحت هذه القوانين إعلان “حالة طوارئ اعتقالية” وتشديد شروط الاحتجاز، وسحب الجنسية والإقامة ووقف المخصصات، وتوسيع اعتقال الأطفال، ومد فترات التوقيف والاعتقال الإداري. ويعرب الخبراء القانونيون عن قلقهم المتزايد بشأن تآكل الضمانات القانونية الأساسية للمعتقلين.
الإفراجات والوضع القانوني
وشهد عام 2025 الإفراج عن 3745 أسيرا وأسيرة ضمن دفعات تبادل متتالية، بينها صفقة أولى على 7 دفعات في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط أطلقت سراح 1777 أسيرا، وصفقة في أكتوبر/تشرين الأول في إطار اتفاق “وقف إطلاق النار” أفرجت عن 1968 آخرين. ورغم هذه الإفراجات، يبقى آلاف الأسرى في السجون الإسرائيلية.
وبإضافة صفقة نوفمبر/تشرين الثاني 2023 التي شملت 240 طفلا وأسيرة، يرتفع عدد من أفرج عنهم منذ بدء الحرب إلى 3985 أسيرا، من بينهم 383 جرى إبعادهم قسرا خارج فلسطين. ويؤكد المحللون أن عمليات الإبعاد تشكل عقوبة إضافية وغير قانونية.
وفي 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أقر الكنيست بالقراءة الأولى مشروع قانون يجيز إعدام الفلسطينيين، بالتوازي مع تصنيف معتقلي غزة “مقاتلين غير شرعيين” واحتجازهم لفترات طويلة دون لوائح اتهام ومنعهم من لقاء المحامين، بما يحول التشريع ذاته إلى أداة انتقام جماعي وإضفاء غطاء قانوني على الانتهاكات الجسيمة. وهذا القانون أثار موجة من الإدانات الدولية.
الوضع القانوني للمعتقلين الإداريين يظل معقداً، حيث يتم احتجازهم لفترات طويلة دون توجيه اتهامات رسمية أو محاكمة، مما يثير تساؤلات حول الشرعية القانونية لهذه الممارسة. الاعتقال الإداري يعتبر من أخطر الانتهاكات لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.
من المتوقع أن تستمر الضغوط الدولية على إسرائيل بشأن معاملة الأسرى. ستكون المتابعة الدقيقة لقرارات الكنيست المستقبلية وتصرفات سلطات الاحتلال داخل السجون ضرورية لتقييم الوضع وتحديد الخطوات التالية. من الضروري أيضاً رصد أية تطورات في التحقيقات الدولية المحتملة بشأن الانتهاكات المرتكبة.
