تلعب الكنائس في القدس دوراً محورياً في الحفاظ على النسيج المجتمعي المتصدع وتثبيت الوجود المسيحي العربي العريق في المدينة، وذلك من خلال شبكات واسعة من المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية، بالإضافة إلى برامج الدعم الاقتصادي الهادفة. يواجه المسيحيون في القدس تحديات متزايدة تهدد وجودهم، مما يجعل دور الكنائس أكثر أهمية من أي وقت مضى في تقديم الدعم والحماية لرعاياها.
تشير الإحصائيات إلى انخفاض كبير في أعداد المسيحيين في القدس على مر العقود. فوفقاً لجورج عكروش، مدير دائرة التنمية والتطوير في البطريركية اللاتينية، كان عدد المسيحيين في القدس يقارب 30 ألف نسمة في ديسمبر 1947، أي ما يعادل تقريباً عدد المسلمين في ذلك الوقت. إلا أنه بعد نكبة عام 1948 وما تلاها من تهجير قسري، انخفض هذا العدد بنسبة 70%، ليصل حالياً إلى حوالي 9900 مسيحي موزعين على 13 كنيسة رسمية.
أهمية دور الكنائس في دعم المسيحيين في القدس
لا يقتصر دور الكنائس على الجانب الديني والروحي، بل يمتد ليشمل تقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الفلسطيني في القدس، وبشكل خاص للفئات الأكثر ضعفاً. وتتبنى الكنائس عقيدة أساسية تركز على كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم، وتسعى جاهدة لتوفير الاحتياجات الأساسية لرعاياها.
تاريخياً، لعبت الكنائس دوراً رائداً في إنشاء المستشفيات والمدارس في المناطق الفقيرة جداً، بهدف توفير تعليم عالي الجودة للجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. وتستمر هذه المؤسسات في تقديم خدماتها الحيوية للمجتمع المقدسي حتى اليوم، مما يساهم في تعزيز التماسك المجتمعي والحفاظ على الهوية الثقافية.
تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة
أدى انهيار القطاع السياحي، خاصةً بعد جائحة كورونا والحرب على غزة، إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية للمسيحيين في القدس، مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وزيادة الفقر. وبحسب عكروش، اضطرت الكنيسة إلى زيادة خدماتها الاجتماعية بنسبة 600% خلال العامين الماضيين لمواجهة هذه الأزمة المتفاقمة.
هذه الزيادة في الطلب على المساعدة أجبرت الكنيسة على إعادة توجيه أولوياتها، والتركيز بشكل أكبر على تلبية الاحتياجات الأساسية للمحتاجين، مثل توفير الغذاء والدواء والمأوى. كما أطلقت الكنيسة مبادرات جديدة لدعم العائلات المقدسية التي تعاني من صعوبات معيشية، مثل تخصيص مبالغ مالية شهرية للأسر الفقيرة.
القدس والتماسك المجتمعي
تساهم الكنائس بشكل كبير في تعزيز التماسك المجتمعي والحفاظ على الهوية العربية المسيحية في القدس، من خلال دعم المؤسسات التعليمية والثقافية التي تروج للقيم الوطنية والإنسانية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الكنائس على الحفاظ على التراث الثقافي والديني للمدينة، وتنظيم الفعاليات التي تجمع بين أفراد المجتمع من مختلف الخلفيات.
وتواجه الكنائس أيضاً تحديات في هذا المجال، بما في ذلك التوترات السياسية والاقتصادية التي تؤثر على جميع فئات المجتمع المقدسي. ومع ذلك، تظل الكنائس ملتزمة بدورها في بناء جسور التواصل وتعزيز التعايش السلمي بين جميع الأديان والثقافات.
تؤكد البطريركية اللاتينية على أن دورها لا يقتصر على تقديم المساعدة الطارئة، بل يشمل أيضاً العمل على بناء مشاريع اقتصادية مستدامة تساهم في تحسين مستوى معيشة رعاياها. وتعمل البطريركية على تطوير القطاعات الاقتصادية الواعدة في القدس، مثل السياحة والحرف اليدوية والزراعة، وتشجيع الاستثمار في هذه المجالات.
مستقبل المسيحيين في القدس
يشير الدكتور عودة قوّاس، الرئيس التنفيذي للإدارة العامة لمدارس بطريركية الروم الأرثوذكس، إلى أن الحفاظ على الوجود المسيحي في القدس هو أمر بالغ الأهمية لهوية المدينة وسلامها. ودعا إلى توحيد الجهود بين جميع الكنائس والمؤسسات الدينية والاجتماعية من أجل مواجهة التحديات التي تواجه المسيحيين في القدس، وبناء مستقبل أفضل لهم.
وتواجه الكنائس ضغوطاً متزايدة من قبل الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك محاولات الاستيلاء على الأراضي والممتلكات الكنسية، وفرض الضرائب الباهظة على المؤسسات الدينية. وتدعو الكنائس المجتمع الدولي إلى التدخل لحماية حقوق المسيحيين في القدس، وضمان حرية ممارسة شعائرهم الدينية.
في الختام، يظل مستقبل المسيحيين في القدس رهنًا بالعديد من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن المتوقع أن تستمر الكنائس في لعب دور حيوي في دعم رعاياها والحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية. وسيتطلب ذلك جهودًا متواصلة وتعاونًا وثيقًا بين جميع الأطراف المعنية، بالإضافة إلى دعم دولي فعال.
