مع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، ازدادت التساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تطويق إيران عسكريًا من جبهتها الشمالية، مستفيدة من التحولات الجيوسياسية في منطقة القوقاز. وتتركز هذه التساؤلات حول بيانات تتبع حركة الطيران التي أظهرت نشاطًا أمريكيًا غير اعتيادي في أرمينيا وأذربيجان خلال الأسابيع الأخيرة، مما أثار تكهنات حول طبيعة هذا النشاط وهدفه الحقيقي.
وتشير البيانات إلى زيادة ملحوظة في عدد رحلات الشحن العسكرية الأمريكية المتجهة إلى كل من أرمينيا وأذربيجان، خاصةً خلال الفترة الممتدة من 30 يناير إلى 11 فبراير 2026. هذا النشاط الجوي المتزايد يأتي في وقت يشهد تصعيدًا سياسيًا بين واشنطن وطهران، مما يزيد من حدة التكهنات حول دوافع الولايات المتحدة.
رصد حركة الشحن العسكري الأمريكي عبر بيانات الطيران
أظهرت بيانات ملاحية من منصة “فلايت رادار24” تنفيذ القوات الجوية الأمريكية نحو 35 رحلة شحن عسكري إلى كل من أرمينيا وأذربيجان. وبدأ هذا النشاط بوتيرة محدودة، ثم تسارع بشكل واضح بعد 6 فبراير، ليصل إلى ذروته يومي 10 و11 فبراير، بواقع 6 رحلات يوميًا.
وتصدرت أرمينيا قائمة الوجهات بـ20 رحلة شحن عسكري، مقابل 15 رحلة إلى أذربيجان. هذا التفاوت النسبي قد يعكس اختيارًا جغرافيًا لمنطقة تشكل عمقًا لوجستيًا بعيدًا عن مسارح الاحتكاك المباشر، وليس بالضرورة دليلًا على نية هجومية.
انطلقت غالبية الرحلات من قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا، وهي أكبر قاعدة جوية عسكرية أمريكية في أوروبا. واستخدمت الطائرات من طراز “غلوب ماستر س-17” في معظم الرحلات، وهي مخصصة لنقل المعدات والإمدادات العسكرية. كما سجلت 4 رحلات فقط باستخدام طائرات من طراز MC-130J كوماندو 2، وهي مرتبطة بدعم عمليات القوات الخاصة.
تركيز جغرافي باتجاه أرمينيا وأذربيجان
تقع كل من أرمينيا وأذربيجان على الحدود الشمالية لإيران، وتعدان جزءًا من فضاء قوقازي حساس يشهد تنافسًا بين النفوذ الروسي والغربي. هذا الموقع الاستراتيجي يجعل منهما نقطة ارتكاز محتملة لأي تحركات عسكرية أمريكية في المنطقة.
من أين انطلقت الرحلات؟
بالإضافة إلى قاعدة رامشتاين، انطلقت بعض الرحلات من قواعد أخرى في أوروبا، مما يشير إلى تنسيق لوجستي واسع النطاق. هذا التنسيق يعزز فكرة أن النشاط الجوي ليس مجرد عملية عشوائية، بل هو جزء من خطة محكمة.
التوقيت.. صدفة أم تنسيق؟
يتزامن هذا النشاط الجوي مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى أذربيجان وأرمينيا، حيث تم توقيع اتفاقيات اقتصادية وأمنية مع الولايات المتحدة. هذا التزامن يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هناك علاقة مباشرة بين الزيارة والتحركات العسكرية.
كما يأتي هذا النشاط في وقت يشهد تصعيدًا سياسيًا متبادلاً بين واشنطن وطهران، مما يزيد من حدة التكهنات حول دوافع الولايات المتحدة. وتشير بعض التحليلات إلى أن هذه التحركات قد تكون جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى الضغط على إيران.
مشروع ممر ترمب
في موازاة التحركات الجوية، يبرز في النقاش الإقليمي مشروع ممر النقل المعروف باسم تريب (TRIPP)، والذي يُطرح كأداة ضغط جيواقتصادية على إيران. قد يؤدي هذا المشروع إلى تقليص دور إيران كممر بري يربط روسيا وأوروبا، مما يؤثر على اقتصادها.
ومع ذلك، لا يوجد دليل قاطع على أن هذه التحركات العسكرية مرتبطة بشكل مباشر بمشروع ممر ترمب. قد تكون هناك عوامل أخرى تؤثر على قرارات الولايات المتحدة في المنطقة.
لا تقدم بيانات تتبع الطيران، حتى الآن، دليلًا على حشد عسكري أمريكي تمهيدي لتطويق إيران. لكنها تكشف عن نمط مختلف لإدارة النفوذ والضغط، يقوم على إعادة تموضع جوي غير مباشر وبناء بنية لوجستية مرنة. من المتوقع أن تواصل الولايات المتحدة مراقبة الوضع في المنطقة عن كثب، وأن تتخذ قراراتها بناءً على التطورات السياسية والعسكرية. وستظل التوترات الإقليمية والتحركات الدبلوماسية هي العوامل الرئيسية التي ستحدد مسار الأحداث في الأشهر المقبلة.
