مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتهيأ العالم لاستقبال طقوسه المعهودة: الفوانيس، الزينة، أصوات الأطفال وهم يرددون الأناشيد والأغنيات العالقة في الوجدان. لكن في غزة، حيث يغطي الدمار كل شيء، ويخيّم النزوح فوق حياة أكثر من مليوني إنسان، يصبح استقبال رمضان أشبه بفعل تحدٍّ… أو محاولة للتشبث بما بقي من الحياة. فالوضع الإنساني في غزة يزداد صعوبة مع استمرار الأزمة.
ففي قطاع وصلت نسبة الدمار فيه إلى نحو 90% وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي، وتعرّض خلال عامين لأكثر من 200 ألف طن من المتفجرات، وتحوّلت فيه 38 مستشفى إلى أنقاض أو منشآت متعطلة، تبدو فكرة “الفرح الرمضاني” مستحيلة. ومع ذلك، فإن غزة كعادتها تفعل.
كيف الحال؟
في أحد مراكز الإيواء، تقف الطفلة خديجة أبو مطر لتغنّي: “مرحب مرحب يا هلال… أهلا أهلا كيف الحال؟”… كان ينبغي أن يكون السؤال موجَّهًا إليها هي، لا إلى الهلال. هذا المشهد يعكس حالة الصمود لدى الأطفال في غزة رغم الظروف القاسية.
ومع ذلك، يشقّ صوتها طريقه وسط الضوضاء، كأن نشيدها يعيد للنازحين لحظة من حياة سرقتها حرب الاحتلال ولا تزال تحاصرها. الاحتفالات الرمضانية هذا العام تأتي في ظل تحديات غير مسبوقة.

ريهان.. فانوس من كرتونة إغاثة
داخل خيمة في مواصي خان يونس، تجلس ريهان شراب، 32 عامًا، وسط أكوام من كراتين المساعدات تقصّ الكراتين وتغلفها بقطع قماش بسيطة، لتولد بين يديها فوانيس رمضان ذات زينة، تحمل معنى يقول “ما زلنا هنا”. تعمل ريهان على تحويل مواد بسيطة إلى رموز للأمل.
وتعتمد ريهان على هذه الحرفة اليدوية البسيطة لكسب دخل بسيط لإعالة نفسها وطفليها، في ظل غياب فرص العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية. الوضع الاقتصادي في غزة يشهد تدهوراً مستمراً.

تحديات الإفطار الرمضاني
الإفطار الرمضاني هذا العام يواجه تحديات كبيرة بسبب نقص الغذاء وارتفاع الأسعار. العديد من العائلات تعتمد بشكل كامل على المساعدات الإنسانية لتوفير وجبة الإفطار. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من نصف سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
وفي ظل واقع القطاع، إذ لا كهرباء تضيء الشوارع، ولا بيوت تعلق الزينة عليها، يمد الأطفال خيطًا واحدًا بين خيمتين، ليخلقوا بعض الفرح. الحياة اليومية في غزة تتطلب الكثير من الصبر والقدرة على التكيف.
وأمام خيام أخرى وبيوت طالها الدمار، يجلس أطفال صغار يُفترض أن يكونوا في مدارسهم لولا أن 95% من مدارس غزة تضررت بالقصف، وفق الإحصاءات ذاتها. لكنهم رغم كل شيء يبحثون عن أكياس نايلون أيًّا كان لونها، يقصّونها ويربطونها بخيط، ويرفعونها نحو الأعلى كأنما يرفعون معنويات مدينة كاملة.
من المتوقع أن تستمر الجهود الإنسانية لتقديم المساعدات لسكان غزة خلال شهر رمضان. ومع ذلك، فإن الوضع الإنساني يتطلب حلولاً جذرية لمعالجة الأسباب الرئيسية للأزمة. المجتمع الدولي مدعو إلى زيادة الضغط من أجل وقف إطلاق النار وتوفير الحماية للمدنيين.
