أثار وفاة بنغ بي يو، الرئيسة السابقة للجنة تنظيم الأسرة في الصين والتي لعبت دورًا محوريًا في تطبيق سياسة الطفل الواحد، جدلاً واسعًا وانتقادات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع. وقد توفيت بنغ عن عمر يناهز الـ 96 عامًا في بكين، قبل أيام قليلة من عيد ميلادها. بينما أشادت وسائل الإعلام الرسمية بإنجازاتها، عبّر العديد من المستخدمين الصينيين عن غضبهم واستيائهم من السياسة التي تسببت في معاناة كبيرة.
وتأتي هذه الانتقادات في ظل تراجع معدل المواليد في الصين، وتزايد المخاوف بشأن الآثار الديموغرافية طويلة الأجل لسياسات تنظيم الأسرة السابقة. وقد ألغت بكين رسميًا سياسة الطفل الواحد في عام 2015، واستبدلتها بسياسات تهدف إلى تشجيع الإنجاب، لكن هذه الجهود لم تسفر عن النتائج المرجوة حتى الآن.
الجدل حول سياسة الطفل الواحد وتداعياتها
فرضت الصين سياسة الطفل الواحد بشكل صارم لمدة ثلاثة عقود تقريبًا، بدءًا من عام 1980، بهدف الحد من النمو السكاني السريع. ووفقًا للحكومة الصينية، ساهمت هذه السياسة في منع حوالي 400 مليون ولادة. ومع ذلك، أدت السياسة أيضًا إلى انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الإجهاض القسري والتعقيم.
تسببت سياسة الطفل الواحد في اختلال التوازن بين الجنسين، حيث فضّل العديد من العائلات إنجاب الذكور على الإناث. أدى ذلك إلى زيادة عدد الرجال مقارنة بالنساء، مما أثار مشاكل اجتماعية واقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، أدت السياسة إلى شيخوخة السكان، حيث انخفض عدد الشباب القادرين على العمل.
ردود الفعل على وسائل التواصل الاجتماعي
أثارت وفاة بنغ بي يو موجة من الغضب على منصات التواصل الاجتماعي الصينية، مثل “ويبو”. كتب العديد من المستخدمين تعليقات تنتقد السياسة التي أشرفت عليها بنغ، وتصفها بأنها “مأساة وطنية”. وتداول آخرون قصصًا شخصية عن المعاناة التي تسببوا بها بسبب هذه السياسة.
في المقابل، نشرت وسائل الإعلام الحكومية تقارير تمدح بنغ بي يو، وتصفها بأنها “بطلة” ساهمت في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للصين. وقد أثارت هذه التقارير غضبًا إضافيًا من قبل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، الذين اتهموا الحكومة بمحاولة تبييض سجل بنغ وتجاهل معاناة الضحايا.
تراجع عدد السكان الصيني وتحديات مستقبلية
شهدت الصين تراجعًا في عدد سكانها للعام الثالث على التوالي في عام 2023، حيث تجاوز عدد سكان الهند عدد سكان الصين رسميًا. وبلغ عدد سكان الصين في نهاية العام الماضي 1.39 مليار نسمة، وفقًا للمكتب الوطني للإحصاء.
ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى عدة عوامل، بما في ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة، وتأخر الزواج، وانخفاض الرغبة في الإنجاب. كما أن سياسة الطفل الواحد، على الرغم من إلغائها، لا تزال تلقي بظلالها على التركيبة السكانية للصين.
يثير هذا التراجع مخاوف جدية بشأن مستقبل الاقتصاد الصيني. فمع انخفاض عدد السكان في سن العمل، قد تواجه الشركات صعوبة في العثور على العمالة المؤهلة. كما أن ارتفاع نسبة كبار السن قد يزيد الضغط على نظام الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية. وتشير التقديرات إلى أن الصين قد تواجه أزمة ديموغرافية حادة في العقود القادمة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التحديات الديموغرافية قد تؤثر على القدرة التنافسية للصين على المستوى العالمي. فمع انخفاض عدد الشباب، قد تفقد الصين قدرتها على الابتكار والتطور التكنولوجي. وهذا قد يؤدي إلى تراجع مكانتها كقوة اقتصادية عالمية.
ماذا بعد؟
تستعد الحكومة الصينية لإصدار بيانات التعداد السكاني لعام 2025 في الشهر المقبل. ومن المتوقع أن تظهر هذه البيانات استمرار الاتجاه التنازلي في عدد السكان، وربما تسارعًا في معدل الشيخوخة. وستكون هذه البيانات حاسمة في تحديد السياسات المستقبلية التي ستتبعها الحكومة الصينية لمعالجة التحديات الديموغرافية التي تواجهها.
من المرجح أن تركز الحكومة على تشجيع الإنجاب من خلال تقديم حوافز مالية وإعفاءات ضريبية. كما قد تتخذ إجراءات لتسهيل الوصول إلى خدمات رعاية الأطفال، وتحسين المساواة بين الجنسين. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الإجراءات ستكون كافية لعكس الاتجاه التنازلي في عدد السكان. وستظل الصين تواجه تحديات ديموغرافية كبيرة في السنوات القادمة، مما يتطلب حلولًا مبتكرة وشاملة.
