حول موضوع “زواج الطفلات وتأثيراته الضارة على وضعهن الاقتصادي والاجتماعي”، جمَع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مساء اليوم الثلاثاء في مقره بالرباط، ثلة من الأساتذة والخبراء المهتمين، فضلا عن ممثلي المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة والمجلس العلمي الأعلى، قصد تقديم ومناقشة مضامين ومخرجات رأي المجلس حول الموضوع.
كلمة أحمد رضى شامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في افتتاح اللقاء التواصلي لتقديم مخرجات رأي المجلس، ألقاها نيابة عنه الأمين العام للمجلس يونس ابن عكي، مُذكّراً بإنجاز المجلس هذا الرأي “في إطار الإحالة التي توصل بها من رئيس مجلس النواب بتاريخ 13 نونبر 2023”.
وقال عكي إن سياق الإحالة مندرج في دينامية “النقاش العمومي والمشاورات التشاركية المؤسساتية والمُوَسَّعة التي أشرفت عليها الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، تبعاً للتعليمات الملكية السامية”، موردا أنها “مقاربة محمودة لأنها لا تَعتبر إصلاح مدونة الأسرة مشروعاً تشريعياً فحسب، وإنما هو إصلاح مجتمعي يقتضي إشراك الجميع”.
من بين أبرز توصيات الرأي، الذي حظيَ بنقاش هامّ بحضور أعضاء اللجنة المؤقتة التي أعدّتْه، “بلورةُ تقرير سنوي تُقدّمه السلطة الحكومية المكلفة بالطفولة أمام اللجان المعنية بمجلسيْ البرلمان حول تطور وتيرة تزويج الطفلات والتدابير المتخذة في إطار السياسات العمومية ذات الصلة للحد من أسباب اللجوء إلى هذه الممارسة”.

“استثناء تحوَّل إلى قاعدة!”
“ظاهرة تزويج القاصرات بالمغرب تكتسي طابع الأبعاد المتعددة” بحكم أن “تزويج الأطفال، بوصفها ممارسة ضارة تهم الفتيات بالدرجة الأولى، لا تزال مُستمرة في بلادنا رغم تحديدِ سِن أهْـلِيّة الزواج في 18 سنة، الذي يوافق سن الرشد قانونيا”، يورد شامي ضمن كلمته أمام المشاركين في اللقاء التواصلي حول الموضوع، وزاد شارحا: “فعلى الرغم من كل الجهود المبذولة، إلَّا أنَّ الاستثناء الذي نَصَّتْ عليه مدونة الأسرة التي جرى اعتمادها سنة 2004، والذي يُخَوِّلُ للقضاء خَفْضَ سِنِّ الزواج في بعض الحالات المعزولة، سرعان ما تحوَّل إلى قاعدة”.
وقال رئيس المجلس، ضمن الكلمة ذاتها، إن “الواقع يعكس تكريس هذه القاعدة بعدد عقود الزواج المتعلقة بالقاصر المبرمة سنة 2022″ (12.940 عقداً)، علماً أن حجم الظاهرة يظل أكبر لكوْنِ الإحصائيات الرسمية لا تأخذ بعين الاعتبار حالات الزواج غَيْرِ المُوَثَّق (على غرار زواج الفاتحة و”الزواج العرفي” وغيره)، وهي النقطة التي نبهت إليها قاضية ملحقة برئاسة النيابة العامة ضمن مداخلة لها أثناء النقاش.

تأثيرات سلبية سوسيو-اقتصادية
وضمن رصده لتفاصيل الموضوع في شق الانعكاسات، نبه المجلس إلى أن “تزويج الطفلات له تأثير سلبي كبير على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للفتيات، بوصفهنَّ نساءَ المستقبل”، معددا التأثيرات السلبية في “ارتفاع مستوى الخصوبة وتكريس وضعية الفقر”، فضلا عن “تعريض الصحة الجسدية والنفسية للفتيات وأطفالِهِنَّ لمَخَاطِرَ كبيرة”.
على مستوى أشْمَل، قال المجلس إن “للظاهرة تأثيراً سلبياً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب”، إذ تؤدي إلى “تضييق الآفاق المستقبلية للفتاة، عبر إقصائها من منظومة التربية والتكوين ومِنْ ثَمَّ حِرمانها من فرص المشاركة الاقتصادية”.
في السياق ذاته، ذكّر المجلس الاقتصادي بـمخرجات الرأي الذي سبق أن أدلى به في تقريره الذي يحمل عنوان “ما العمل أمام استمرار تزويج الطفلات بالمغرب؟”، الصادر سنة 2019، والذي أوصى من خلاله بـ”الإسراع بوضع حد لتزويج الأطفال بمختلف أشكاله، إعمالاً للمصلحة الفضلى للطفل، ونهوضاً بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد”.

ثلاثة محاور للعمل
تبعاً للتشخيص الذي قام به في دراسته للموضوع، اقترح المجلس، على لسان مُقرر الموضوع جواد شعيب، “اعتماد استراتيجية شاملة ترتكز على ثلاثة محاور”. المحور الأول: “ملاءمَة الإطار القانوني مع الدستور والاتفاقيات الدولية التي صادقَ عليها المغرب”، لا سيما من خلال “نسخ المواد 20 و21 و22 من مدوّنة الأسرة التي تفتح الباب أمام الاستثناء في تطبيق قاعدة سِنِّ أهلية الزواج (18 سنة).
“تخصيص مقتضى في مدونة الأسرة متعلق بمبدأ [مصلحة الطفل الفضلى]، مع تعريف هذا المبدأ وتحديد كيفيات تطبيقه”، توصية أخرى شدد عليها التقرير الرسمي.
أما محور التدخل الثاني فبسَطه المجلس عبر “محاربة الممارسات الضّارة بالأطفال، من خلال التنفيذ المستدام والمندمج لمختلف السياسات والإجراءات العمومية على الصعيد الوطني والترابي”، داعيا على الخصوص إلى “تسريع تنزيل السياسة المندمجة لحماية الطفولة”، من خلال الإسراع بوضع “البرنامج الوطني التنفيذي الثاني”.
في المحور نفسه، أوصى المجلس بـ “تطوير وتعزيز أنظمة الحماية والمساعدة الاجتماعية، بما في ذلك تقديم الدّعم المادي للأسر الفقيرة التي تضم فتيات في سِنِّ التمدرس لتفادي تزويجهن لأسباب اجتماعية (مثلا: اعتماد مؤشرات للتمييز الإيجابي في السِّجِل الاجتماعي الموحَّد تعطي الأولوية لهذه الأسر)”.

المحور الثالث يتعلق بـ”وضع نظام معلوماتي من أجل تتبّع وتقييم التقدم المُحْرَز في مجال القضاء على الممارسة المتعلّقة بتزويج الطفلات”.
ولفت التقرير إلى أن هذا النظام المعلوماتي ينبغي أن يجيب على “مجموعة من المؤشرات الملائمة، في انسجام مع حقوق الطفل ومصلحته الفضلى وأهداف التنمية المستدامة، وعلى المعطيات المتعلقة بالحالات المحتملة لزواج وطَلاق الطفلات، ودعاوى ثبوت الزوجية المتعلقة بالفتيات، وحالات الزوجات القاصرات المَهْجُورات، والعنف الزوجي والأُسَري ضد الزوجات القاصرات”.
المصدر: وكالات
