من المؤسف أن يصل زمننا إلى دركٍ يُوصف فيه أشهر كتاب مغربي في الصلاة على النبي ﷺ بـ”الخيبات”، ويُتّهم مؤلفه الإمام العارف محمد بن سليمان الجزولي بالشرك والبدعة، لا لشيء، سوى لأنه أحيى في قلوب المسلمين محبة الحبيب ﷺ، ولأنه سجّل بحبر الروح ما عجزت عنه خطابات “اللايفات” السطحية.
أيُّ منطقٍ هذا الذي يرى في ذكر النبيِّ ضلالة؟ وأيّ دعوة هذه التي تُحطِّم أعمدة الوجدان الروحي للأمة باسم التوحيد؟
وهل صار من يُصلّي على خير الخلق “خرافيًا”، ومن يَصف المدارس بأنها “دور دعارة”، ويُحقّر بنات المسلمين وطلابهم بأحكام عامة جارحة، يُروَّج له في صورة “عالم” أو “مُصلح”؟
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
فهل بعد هذا الأمر الرباني مجالٌ للاستخفاف بمن أفنى حياته في الصلاة على رسول الله؟
إذا كان الله يُصلّي، وملائكته تُصلّي، ويأمر المؤمنين بالصلاة، فمن يجرؤ بعد هذا أن يسخر من ألف صلاة تخرج من قلب محبّ، كتبها الجزولي في دلائل الخيرات؟
ألم يقل النبي ﷺ: “من صلّى عليّ صلاة، صلّى الله عليه بها عشرًا”؟
وهل في محبة النبي شرك؟ أم أن الشرك صار في نظر البعض أن تفيض القلوب شوقًا لمن جعله الله رحمةً للعالمين؟
ويكفي دليلاً على جلالة هذا المقام أن محبة النبي ﷺ ليست عاطفة اختيارية أو فضيلة زائدة، بل شعيرة من شعائر الله، تندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج: الآية 32].
وقد بيّن العلماء أن الشعائر لا تقتصر على المناسك الظاهرة، كالهدي والطواف والسعي، بل تشمل أيضًا كل ما عظّمه الشرع وقرّب إلى الله، ومن أعظمها: النبي ﷺ شخصًا وسنّة وسيرة.
فهو الذي قال فيه ربُّه سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [سورة الشرح: الآية 4]، فلا يُذكر الله في الأذان والصلاة والكتب والقلوب، إلا ويُذكر معه رسولُه الكريم ﷺ، تعظيمًا وتوقيرًا ومحبة.
وفي هذا المعنى قال القاضي عياض في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى: “اعلم أن من أحب شيئًا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقًا في حبه، وكان مدعيًا. فالصادق في حب النبي ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه: أولها الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه…” (الشفا، ج2، باب محبة النبي ﷺ، فصل في علاماتها)
وأضاف: “ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره، وتعظيمه، وتوقيره عند ذكره، ومحبة من أحبه، وبغض من أبغضه، وأن يُقدَّم على النفس والأهل والولد، فإن لم يظهر شيء من ذلك دلّ على ضعف المحبة أو زيف الدعوى.”
فمن يُحبّ النبي ﷺ ويُكثر من الصلاة عليه، يُعظّم شعيرة جليلة، لا يبتدع في الدين. أما من يتّهم هذا المقام بالشرك والبدعة، فهو أولى أن يُتهم بجهل المقاصد، وانقطاع الفهم عن روح الإسلام.
دلائل الخيرات ليس كتابًا ميتًا محفوظًا في رفوف الزوايا، بل هو لسان قلوب عرفت كيف تُحبّ دون غلو، وتعظّم دون إفراط.
ليس فيه وحي ولا عصمة، لكنه ثمرة صدق ويقين، ونور من أنوار المحبة التي لم يعرفها من اختزل الدين في قائمة محظورات.
كتب فيه الجزولي: “اللهم صلِّ على سيدنا محمد بحر أنوارك، ومعدن أسرارك، ولسان حجتك، وعروس مملكتك…”
فهل في هذا شرك؟ أم محبة رقيقة تنبع من فقه العارفين؟ وهل من يلهج بالصلاة على الحبيب المصطفى مذنب؟
من المؤسف أن تصبح خطابات الاستخفاف والازدراء، هي طريق من يبحث عن التفاعل والانتشار، فيُروّج صورة حالكة للسواد، ويوهم الناس أن لا نور إلا عنده، ولا إيمان إلا فيما يرضاه.
هؤلاء ليسوا مجددين، بل هادمون، ليسوا دعاة، بل ناقمون
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103–104]
إن المغاربة الذين حفظوا دلائل الخيرات جيلاً بعد جيل، لا يفعلون ذلك من باب العادة، بل من باب المحبة.
إنهم لا يرونه قرآنًا يُتلى، ولا تشريعًا يُحتكم إليه، بل نافذة تطل على المقام النبوي الشريف، وسبيلاً لترقيق القلوب، وتربية الذوق الروحي في زمن القسوة.
إنهم يفهمون تمامًا الفرق بين التعظيم والغلو، بين التوسل المشروع والتأليه الممنوع. ويعرفون أن من أحب النبي لا يبتدع، بل يقتدي.
لقد كان الإمام الجزولي مربِّيًا قبل أن يكون كاتبًا، ومُصلحًا قبل أن يكون صوفيًا، وجعل من كتابه دلائل الخيرات وثيقة حب جماعي، تلتقي فيها أصوات المغرب من سوس إلى فاس إلى طنجة، ومن مراكش إلى الحرمين الشريفين.
ومن الغريب أن يتطاول عليه اليوم من لا يفقه فقه المحبة، ولا يدرك أن الصلاة على النبي هي جزء من الإيمان، كما في الحديث الصحيح: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين.” (رواه البخاري ومسلم)
أما دلائل الخيرات، فسيبقى يُتلى، ويُنشد، وتردده الأفواه في مشارق الأرض ومغاربها.
سيبقى كتابًا لمحبي النبي، لا لحفّاظ الشتائم.
وأما من يطعن فيه بجهل أو حقد، فقد قال الإمام مالك: “لا يُؤخذ العلم من أربعة: سفيه، وصاحب هوى، وكذّاب، ومن لا يعرف ما يُحدّث به.”
لقد آن لمن احترف الإثارة أن يصمت، ولمن تجرأ على المقامات العظيمة أن يتأدب، ولمن أراد النصح أن يبدأ بنفسه.
فإن محبة النبي ﷺ لا تُنال بالاستخفاف، بل بالسير على أثره، والرحمة بخلقه، وتعظيم من عظّمه الله.
المصدر: وكالات
