كشفت دراسة ميدانية حديثة حول مراكز النداء بالمغرب أن “هذا المجال يستقطب شريحة واسعة من حاملي الشهادات الجامعية الذين وجدوا أنفسهم، في غياب منافذ مهنية تتناسب مع مؤهلاتهم التعليمية، مضطرين للانخراط فيه. بالنسبة للدولة، يمكن القول إن هذا الوضع بدا وكأنه يحقق منفعة متبادلة: من جهة القطاع العام الذي خفف من ضغط البطالة، ومن جهة أخرى القطاع الخاص الذي وجد في هذه اليد العاملة المتعلمة والقابلة للتأطير موردا بشريا لتشغيله”.
وأكدت الدراسة الصادرة عن “معهد بروميثيوس من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” و”المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز”، التي عُرضت نتائجها اليوم الأربعاء في مؤتمر صحافي بالرباط، أن “هذا الاقتصاد المسمى اقتصاد المنفعة، الذي كثيرا ما تم الترويج له في الخطابات الرسمية، يبدو وكأنه بُني على سوء فهم؛ إذ يُقدَّم هذا القطاع على أنه محرك للنمو، لكنه يظل في الواقع مرادفا لعدم التوافق بين الشهادات الجامعية وفرص العمل، وللهشاشة التي يعيشها العمال، وغياب التنظيم وضعف التمثيل الإحصائي”.
الدراسة عينها، المعنونة بـ”بحث ميداني عن مراكز النداء بالمغرب: مواطن الضعف والهشاشة النيوكولونيالية وأشكال جديدة للعمل النقابي”، التي نقلت شهادات حية لمستخدمين في هذه المراكز، أبرزت أن “الذين يفكرون في الاستمرار في القطاع غالبا هم من الشباب العزاب دون مسؤوليات عائلية مباشرة، وهكذا يبدو مركز النداء أشبه بـ’محطة انتظار محبطة’ وحلا مؤقتا في غياب بدائل أفضل، كاشفا بذلك عن المآزق البنيوية لإدماج الشباب الحاصلين على شهادات في المدن الكبرى بالمغرب”.
وذكرت أن قطاع العمل بمراكز النداء ينطوي على الكثير من المخاطر، من ضمنها تلك المتعلقة بتنظيم العمل نفسه؛ إذ “يتميز بساعات عمل غير منتظمة وغالبا ما تمتد حتى وقت متأخر من الليل، إضافة إلى بيئة شديدة الرقابة تشمل المراقبة المستمرة حتى أثناء فترات الاستراحة في الحمام للضرورة البيولوجية. يضاف إلى ذلك طبيعة المهام الروتينية والتفاعلات التي قد تتسم أحيانا بالتوتر مع الزبائن، وفرض استخدام أسماء مستعارة، إلى جانب الضغوط لتحقيق أهداف غالبا ما تكون غير واقعية”.
وأشارت الوثيقة ذاتها إلى أن استهلاك المخدرات في صفوف المشتغلين بمراكز النداء بالمغرب برز كآلية لتحمل وتيرة العمل السريعة وضغوطه وتوتراته، مسجلة أن “من بين مظاهر هذا الوضع غير المستقر الضغط النفسي وتزايد شهادات الغياب الطبية التي تتنامى بشكل كبير وسط العمال. كما أن حالات الإرهاق أو الاحتراق المهني تتفاقم بشكل واضح؛ فالعامل قد يحصل كل شهر على ما بين شهادتين إلى ثلاث شهادات طبية، إما لأنه منهك تماما في لحظة معينة، أو لأن الأجر لا يكفيه”.
وشددت على أن “هذا الوضع يولد أيضا نوعا من التبعية؛ إذ إن عددا كبيرا من المستخدمين في هذه المراكز يجدون أنفسهم عالقين في فخ إدمان الحشيش. أما التدخين فحدّث ولا حرج؛ فالحشيش وغيره من المواد أصبحت وسائل لمحاولة مواجهة الضغط النفسي وتحمل ظروف العمل، خاصة وأن وتيرة العمل توصف بأنها جهنمية”.

وتابعت الدراسة ذاتها بأن “فقدان الأمن الاقتصادي يترافق مع عرقلة بنيوية للعمل النقابي؛ ففي المغرب، يُستثنى أكثر من 80 في المائة من مراكز النداء من أي شكل من أشكال التنظيم التمثيلي. كما تُحاصر كل محاولات تأسيس النقابات بشكل منهجي بالقمع المباشر، بما في ذلك الترهيب والتوقيفات التعسفية والفصل المتعمد لممثلي الأجراء”.
وأبرز بحث “معهد بروميثيوس من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” و”المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز” أن “عمال مراكز النداء يُجبرون على تعديل طريقة نطقهم بتحييد لكنتهم لتفادي تمييز زبائن قد يكون بعضهم عنصريا بشكل صريح وتعظيم فرص البيع”، مضيفا أن “هذه الحيادية اللسانية ترافقها عملية أوسع لمحو الهوية، وصفها المستجوبون بكونها امتدادا لمنطق نيوكولونيالي”.
وشدد البحث على أن “هذه الثقافة التنظيمية هي محاولة متعمدة لفصل المستخدمين عن محيطهم الاجتماعي الأصلي، وتحويلهم إلى قوة عمل مطيعة منزوعة من سياقها وموجهة بالكامل نحو تلبية متطلبات الشركات الأوروبية الآمرة”، مؤكدا أنه “إلى جانب الشعور بخيبة الأمل لدى المستخدمين، تراجعت الأجور تدريجيا مع تحول القطاع إلى نشاط عادي وفقد هالته الاستثنائية. ففي مطلع سنوات الألفين، كانت الرواتب عند التوظيف تتراوح ما بين 4000 و7000 درهم، أما اليوم فالأجر الصافي الشهري لا يتجاوز حدود 3800 درهم”.
المصدر: وكالات
