بمناسبة الذكرى الثامنة لإيداع حركة منطقة القبائل (ماك)، وحكومة القبائل المؤقتة في المنفى (أنافاد)، مذكرة لدى الأمين العام للأمم المتحدة في 28 شتنبر من سنة 2017، تطالب بالاعتراف بحق الشعب القبائلي في تقرير مصيره، جدد نشطاء أمازيغ في المغرب مساندتهم لمطالب هذه الحركة، داعين المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة إستراتيجية تجاه هذا الملف، تضمن تمتع القبائليين بحقوقهم الثقافية والسياسية بما ينسجم مع القوانين الدولية.
وثمن النشطاء الذين تحدثوا لجريدة هسبريس الإلكترونية في هذا الشأن نهج المغرب في التعاطي مع ملف الشعب القبائلي السابق لقيام الدولة الجزائرية نفسها، الذي مارس عليه نظامها كل أشكال القمع والتهميش، الأمر الذي أدى إلى بروز مطالب تقرير المصير، مشددين في الوقت ذاته على أن هذا المطلب لا يعني بالضرورة الانفصال، بل إيجاد حل سياسي يضمن الاعتراف للقبائل بهويتها المصادرة من طرف نظام العسكر.
وسبق للسفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى هيئة الأمم المتحدة أن انتقد في عدة اجتماعات أممية ازدواجية الخطاب السياسي للجزائر، من خلال مطالبتها بما يسمى “حق تقرير مصير الشعب الصحراوي” مقابل إنكارها هذا الحق حين يتعلق الأمر بالشعب القبائلي، الذي يستحق أن تتكفل الأمم المتحدة بضمان حريته في ممارسة حقه في تقرير مصيره، معتبرا أن “القبائل سجن بسماء مفتوحة، حيث يُحرم سكانها من أبسط حقوقهم الأساسية”.
قمع وحل
قال خالد الزراري، رئيس الكونغرس العالمي الأمازيغي، إن “منطقة القبائل بؤرة للتوتر في الجزائر لأسباب تاريخية بدأت بوادرها مع حرب التحرير سنة 1954، حيث بدأ مؤتمر ‘السومام’ النزاع بين نخبة قبائلية تريد تأسيس دولة مدنية وحداثية، ومجموعة عسكرية اختارت نظاما عسكريا متشبعا بالإيديولوجية القومية الناصرية والبعثية، ما أدى إلى التصفية الجسدية لرموز الحداثة، كعبان رمضان وكريم بلقاسم، وهروب الحسين آيت أحمد إلى الخارج”.
وأضاف الزراري أن “سيطرة العسكر على الحكم وفرض النظام القومي أديا إلى عدة انتفاضات تطالب بالحقوق اللغوية والثقافية لمنطقة القبائل، تطورت بشكل خطير سنة 1980 مع الربيع الأمازيغي”، مبرزا أن “هذه الأزمة تطورت إلى انتفاضة سنة 2001، أسفرت عن اغتيالات وعاهات مستدامة، لتظهر بعدها حركة ‘الماك’ التي انتقلت من حركة تطالب بالحقوق اللغوية إلى مطالب سياسية في عمقها الاستقلال عن الدولة الجزائرية”.
وشدد الناشط والفاعل الحقوقي ذاته، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن “منظمة الكونغرس العالمي الأمازيغي كمنظمة حقوقية دافعت عن هذا الطرح وفق الآليات القانونية الأممية في إطار القانون الدولي الذي يعطي الحق للشعوب في تقرير مصيرها”.
وتابع المتحدث ذاته بأن “المغرب ليس طرفا في هذا النزاع على المستوى الرسمي، إذ إن السياق في القبائل يختلف عن سياق الأقاليم الجنوبية، ذلك أن الجزائر كانت سببا مباشرا في خلق جبهة البوليساريو في سبعينيات القرن الماضي على المستوى اللوجستيكي والعسكري والدبلوماسي، أما المغرب فلا دخل له في ظهور حركة ‘الماك’، بل بالعكس فإن النظام الجزائري هو الذي ساهم في انبثاق هذه الحركة بجميع الوسائل القمعية”.
وأوضح الزراري أن “الاحتقان الذي تعرفه منطقة القبائل منذ عقود يوجب التفكير في حل سياسي لعدة اعتبارات، منها الأزمة بين هذه المنطقة والسلطة المركزية التي انعكست في عدم مشاركة القبائل في جميع الاستحقاقات الانتخابية”، مضيفا: “بناء على هذه المعطيات نساند أي حل سياسي لصالح منطقة القبائل، شريطة أن تبقى منظمة الكونغرس العالمي الأمازيغي منظمة مستقلة عن جميع التنظيمات السياسية وفق القانون الأساسي”.
وخلص المصرح نفسه إلى أنه “على المستوى القانوني هناك عدة مواد في القوانين والصكوك الدولية يمكن أن تبني عليها الدول لدعم حركة ‘الماك’، خاصة المادة الثالثة من إعلان الأمم المتحدة للشعوب الأصلية في ما يخص تقرير المصير، الذي ورد كذلك في المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966”.
موقف المغرب
قال أبوبكر أنغير، منسق العصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان، إن “قضية شعب القبائل قضية حقوقية بامتياز، باعتباره شعبا مقصى ثقافيا وتنمويا في كل مخططات الدولة الجزائرية المعاصرة”، مضيفا أن “منطقة القبائل عانت ومازالت من ترتيبات الاستقلال الجزائري الذي أفرز نخبة سياسية قيادية أقصت وهمشت كل مناطق الجزائر التي لا تساير الطغمة العسكرية الحاكمة في إيديولوجيتها المشرقية المستوردة، التي استندت إلى تهميش كل ما هو أمازيغي أصيل”.
وأوضح أنغير، في تصريح لهسبريس، أن “فرنسا تتحمل مسؤولية كبيرة في إقصاء أبناء منطقة القبائل بتواطئها مع النظام الجزائري منذ عهد بومدين على الأقل إلى اليوم، فهذا النظام تعامل دائما بشكل متوجس مع القبائل ومع مطالبها، بل اعتمد على القمع المباشر وعلى مصادرة الآراء الحرة القبائلية، ما أدى بكثير من الأصوات الفنية والثقافية والسياسية والحقوقية القبائلية إلى مغادرة الجزائر وتفضيل المهجر والغربة على العيش في كنف نظام استبدادي دكتاتوري لا يسمح بأدنى شروط التعبير الحر”.
وشدد المتحدث ذاته على أن “قضية تقرير مصير شعب القبائل هي مسؤولية حقوقية وسياسية لجميع الدول بما فيها المغرب، وهو ما يتطلب تضافر جهود جميع الدول الفاعلة في المنظومة الدولية من أجل دعم مطالب القبائل الثقافية والتنموية بالطريقة التي تحترم القوانين والمواثيق الدولية وتسمح بتقرير مصير شعب القبائل”، وزاد: “هذا لا يعني أن تقرير المصير هو الاستقلال فقط، بل ما يرى الشعب القبائلي العريق وقواه الحية أنه يحقق المطالب السياسية والثقافية والهوياتية”.
وأضاف الحقوقي نفسه: “نحن كنشطاء حقوقيين أمازيغ نساند بقوة مطالب كل الشعوب المستضعفة والمقهورة والمقصية من التنمية ومن الاعتراف الثقافي والهوياتي بمؤهلاتها وموروثها، لذلك ندعم شعب القبائل وندعم أمازيغ ليبيا وتونس والطوارق في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، كما ندعم مطالب الأكراد في كل مكان، فأينما وجد الحق فنحن نسانده ولا نرضى ولا نعترف بالإيديولوجيات الشمولية التي تفرض أحادية اللغة والتفكير والدين؛ كما نطالب الدولة المغربية بتبني ملف القبائل بطريقة إستراتيجية لا بمنطق تكتيكي قائم على رد الفعل، خاصة أن الأمر يتعلق بقضية شعب عريق سبق وجوده ميلاد دولة الجزائر المعاصرة”.
وأردف أنغير بأن “الموقف المغربي بخصوص قضية شعب القبائل مميز ومنهجي، يُبنى أولا على احترام السيادة الترابية للبلدان وضرورة احترام حق الشعوب في تعبيراتها الثقافية والهوياتية؛ فالمغرب باعتباره اكتوى بنار الحركات الانفصالية المدعومة خارجيا، من الجزائر تحديدا، لا يمكن أن يتعامل بالمنطق الجزائري نفسه، وبالتالي فهو يدعم حق شعب القبائل لكن دون أن يملي عليه طريقة تحقيق هذه المطالب”.
وتابع المتحدث بأن “المغرب سيظل دائما حريصا على الاتحاد المغاربي القوي الذي ينعم فيه الجميع بالأمن والاستقرار، أما المجتمع المدني الأمازيغي فموقفه واضح لا غبار عليه، وهو دعم شعب القبائل في تقرير مصيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفق المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، كميثاق مكسيكو وتوصيات مؤتمر جنيف لسنة 1993 حول حقوق الإنسان والشعوب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966، والميثاق الإفريقي للشعوب، وغيرها من المرجعيات القانونية المعيارية الدولية التي تعطي للشعوب، ومنها الشعب القبائلي، الحق في اختيار قراراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشكل حر وديمقراطي”.
المصدر: وكالات
