سنة كاملة من الاعتصام في الهواء الطلق في ظل حرّ مكناس وبردها، طواها عمال شركة نسيج في قلب العاصمة التاريخية، بعدما أقام أزيد من 500 عامل وعاملة خيامهم البلاستيكية وافترشوا العلب “الكرتونية”، احتجاجا على تصفية الشركة التي اشتغلوا فيها أزيد من أربعين سنة، دون أداء مستحقاتهم ولا أداء ضمانهم الصحي ولا تمكينهم حتى من تعويض فقدان الشغل منذ أربع سنوات.
وفي القلب النابض لمكناس، على بُعد خطوات من بلدية المدينة، ومحكمة استئنافها، يرفض المحتجون طيلة اثني عشر شهرا مغادرة مكان اعتصامهم أمام أحد استثمارات مجموعة شركتهم “سيكوميك” دون حلّ يحفظ كرامتهم، بعدما نظّموا طيلة سنوات وقفات وجلسات حوار وقّعت حولها اتفاقات وتوثّقها محاضر بحضور وزراء وممثلي وزارات الداخلية والشغل والصناعة، ورغم مطالب أحزاب سياسية وجمعيات حقوقية.
ومن بين الأحزاب التي ندّدت بهذا الوضع محليا، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمكناس، الذي عبر أحدث بيانات مجلسه الإقليمي عن “تضامنه المطلق مع عاملات وعمال شركة سيكوميك الذين يخوضون اعتصاما مفتوحا منذ أكثر من سنة، في ظروف قاسية بالقرب من مقر الجماعة وعمالة مكناس”، مستنكرا “استمرار تجاهل الجهات المسؤولة لمطالبهم المشروعة، وتوقف قنوات الحوار بشكل غير مبرر”.
كما تأسّست، منذ شهور، “لجنة الدعم والتضامن مع عاملات وعمال سيكوميك”، التي تضم ممثلين عن حزب التقدم والاشتراكية والحزب الاشتراكي الموحد وحزب النهج الديمقراطي العمالي وشبكة تقاطع للحقوق الشغلية وفعاليات أخرى. كما نظمت، في يوليوز الجاري، بمقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أكبر الجمعيات الحقوقية المغربية، ندوة قدمت فيها “لجنة دعم عاملات وعمال سيكوم/سيكوميك” مستجدات “المعركة التي يخوضها العمال والعاملات المطرودون من المعمل” و”الظروف المأساوية التي يعيشها المعتصمون منذ أزيد من 365 يوما”.
وفي تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، قال حسن الحسيني، كاتب قطاع النسيج سيكوم سيكوميك مكناس، إن العمال لم يقرّروا الاعتصام المفتوح في الشارع منذ ما يزيد عن السنة إلا بعد أن أدى طردهم مع عدم تمكينهم من حقوقهم إلى “تفكّك أسري كبير، وأطفال يتخلون عن الدراسة، وأمراض نفسية، وغياب الحماية الاجتماعية، وغياب الأجر، بل من العاملات من أصبن بالسرطان والشلل النصفي”.
وتابع الشاهد: “يوميا، يتعرض العمال للإهانات وقطع خيامهم والهجوم عليهم من طرف بلطجيّةٍ؛ بل ضربت عاملات، وأوذي عامل في جسده (…) كل هذا بعد تضحية لصالح المؤسسة تصل مدة عمل بعضنا فيها إلى أربعين سنة، فضلا عن من عملوا 30 سنة، و25 سنة… اليوم، يستمر المشغّل في مشاريعه، وفقط تخلص من 500 عامل في إحدى الشركات بأن رماهم إلى الشارع، دون حوار”.
ثم استرسل قائلا: “في ظل حرارة السنة الحالية والسنة الماضية، وبرد مكناس طيلة فصل الشتاء ننام على ‘الكارطون’ وداخل خيم من البلاستيك، وإلى اليوم 500 عامل وعاملة يعيشون في وضع لا يقبله حتى الحيوان، حاشا السامع، ومعرضون للحشرات بأنواعها، والإهانات، وصار عمال اشتغلوا لعقود عالة على أنفسهم وأسرهم والمجتمع، وتُنتقص كرامتهم، ولا توجد الحماية الاجتماعية التي هي الورش الذي أطلقه صاحب الجلالة، ونتساءل أين نحن من الدولة الاجتماعية؟”.
وختم الشاهد تصريحه بقول: “هؤلاء العمال محاصرون؛ لكن لا نزال نرفع نداءنا: هؤلاء عمال ضحوا، وعملوا، ولهم أبناؤهم، ولم يستطع الوطن حماية أمهات وآباء الأبناء الذين يحمون الوطن، وننادي كل الضمائر الحية لإنهاء هذه المأساة ورد الاعتبار نسبيا، بعد أربع سنوات من الألم الذي لا يمكن أن ينسى، لأنه مهما كان أي تعويض فإنه لن يعوض على هذه المعاناة”.
تجدر الإشارة إلى أن ملف “سيكوميك” من أبرز الملفات الاجتماعية التي عمرت سنوات بمدينة مكناس، ويعود إلى عملية “تصفية” انطلقت بتاريخ 2012، وفق بيانات نقابية، وكان موضوع وقفات احتجاجية ومساءلات قانونية وحوارات اجتماعية برعاية وزارية منذ سنة 2017، ليتجدّد العمل خلال “جائحة كوفيد” قبل غلق أبواب الشركة في شهر نونبر 2021؛ مما جعل عمالا ذوي أقدمية تصل إلى أربعين سنة في حالة تشرّد، بعدما لم يتوقّف أداء أجورهم فقط، بل اكتشفوا عدم أداء مستحقاتهم الاجتماعية القانونية من قبيل الضمان الاجتماعي، رغم حصول الشركة المشغلة على دعم خاص من الجماعة الحضرية والمجلس الإقليمي لتحقيق التسوية، وتسهيلات مستحقات الصندوق والماء والكهرباء، مما حرم العمال من تعويض فقدان الشغل.
المصدر: وكالات
