قال محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة محمد الأول-وجدة، إن نهاية الحرب الباردة شكلت مدخلا لبروز أزمات جيوسياسية من نوعٍ آخر، فرضت العديد من الارتدادات المختلفة للقضايا السياسية وإدارة الأزمات الدولية التي أدت إلى إتاحة الفرصة لظهور العديد من الحركات الانفصالية المطالبة بنيل الاستقلال بشكل سلمي أو بقوة السلاح، ما خلف صراعات دموية واسعة امتدت لسنوات في بعض الأحيان.
وأضاف الأكاديمي ذاته، ضمن مقال منشور من قبل أنترريجيونال للتحليلات الإستراتيجية، العدد الثالث من دورية حالة العالم، أن انهيار الاتحاد السوفيتي فتح الباب على مصراعيه أمام القوميات والأقليات الإثنية التي طالما احتضنها العملاق البائد طيلة مدة تأسيسه منذ الثورة البلشفية، فقد انكشفت النزاعات القومية في البلقان وتفككت دول (يوغسلافيا الاتحادية)، واستقلت دول عديدة (أوكرانيا-دول البلطيق…).
وأكد الخبير والباحث المغربي أن تكلفة الانفصال وتداعياته باتت مرتفعة جدًا بالنسبة للدولة الأم وللإقليم الذي تقع فيه، نظرًا لإمكانية مطالبة أقاليم أخرى بالانفصال، واحتمال نشوب صراعات بين الدولة الجديدة والدولة المنفصلة عنها أو دول أخرى مجاورة؛ علاوة على تبعات الاعتراف أو عدم الاعتراف الدولي بالدولة “الوليدة” التي قد لا تمتلك واقعيا مقومات الدولة بمفهومها التقليدي.
وأشار الدكتور بوبوش إلى أن الاستجابة الدولية للحركات الانفصالية تتأثر بالاعتبارات الجيوسياسية، فقد تدعم البلدان أو تعارض الحركات الانفصالية اعتماداً على مصالحها الإستراتيجية، معطيا المثال بدعم الولايات المتحدة انفصال جنوب السودان عن السودان عام 2011 كوسيلة لإضعاف الحكومة في الخرطوم، التي كان ينظر إليها على أنها مؤيد للإرهاب، ودعم أوغندا انفصال جنوب السودان، نظراً لوجود منافع سوف تحققها من هذا الانفصال؛ مبرزا أن أوغندا كانت ستستفيد اقتصادياً من تطوير البنية التحتية في هذه الدولة الحبيسة، خصوصاً مع وجود خطط تبحث إمكانية إقامة أنبوب لتصدير النفط يمر عبر أراضيها.
وتابع كاتب المقال: “كما قد تكون للانفصال ارتدادات ينجم عنها نشوء دول رخوة وضعيفة لا تملك من مقومات الحياة الدولية ومؤسسات الدولة الفاعلة والقوية إلا الاسم، لتتحول إلى مرتع للعصابات الإجرامية مهددة أمن واستقرار جيرانها (مالي كمثال). وحتى لو وجدت كيانات تملك من مواصفات السيادة ما يؤهلها للانفصال إلا أنها قد لا تتوفر على الإمكانات والموارد اللازمة لإدارة الدولة والاضطلاع بالمهام المنوطة بها إزاء المواطنين الذين يعيشون فوق ترابها (حالة جنوب السودان بعد انفصاله عن الدولة الأم)، معتبرا أن الأخطر من ذلك هو احتمال اندلاع مواجهات عنيفة بسبب رغبة بعض الأطراف في الانفصال.
وأورد أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي أنه سواء تعلق الأمر بكاتالونيا أو كردستان العراق أو جنوب السودان أو غيرها من الأقاليم (أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا- ترانسنيستريا الانفصالية التي انفصلت عن مولدوفا عام 1992 بفضل الدعم الروسي في حرب جورجيا عام 2008- شبه جزيرة القرم عام 2014 “لا تعترف بهما الأمم المتحدة”)، أو كوسوفو المستقلة عام 2008، وتعاني من مشاكل في الشمال ذي الغالبية الصربية، أولها مطامح انفصالية، فإن القاسم المشترك بينها في الغالب هو الرغبة في الحصول على الاعتراف الدولي المنفرد (ولو من دولة أو من دولتين)، والتمتع بحقوق أكثر والتطلع إلى مستقبل أفضل، لكن الواقع قد يظهر عكس ذلك.
واستحضر الأكاديمي بوبوش كيانات نجحت في تحقيق الانفصال بفضل (عوامل داخلية وخارجية)، فجنوب السودان مثلا الذي انفصل عن الشمال في 2011 يعيش حاليا حالة من الانهيار والانقسامات ويغرق في العنف والفوضى.
وأكد الخبير ذاته أن الاعتراف الدولي المنفرد (صادر عن دولة أو دولتين) –ولو بصورة غير مباشرة، من خلال تقديم الدعم الإعلامي والرعاية للمطالب الانفصالية– سلاح تستخدمه بعض القوى للضغط على أطراف أخرى وابتزازها. وفي هذا الإطار، يمكن –على سبيل المثال– فهم الدعم التركي المتواصل لجمهورية القبارصة الأتراك (لا تعترف بها الأمم المتحدة) التي تعتبر أداة مهمة للضغط على اليونان وإضعافها.
المصدر: وكالات
