يعود النقاش من جديد حول تعويم الدرهم المغربي مع اقتراب سنة 2026، بعد مسار طويل بدأ منذ 2018، حين قرر المغرب ولوج طريق التدرج: من نطاق ضيق لتحرك العملة إلى نطاق أوسع، حتى بلغ 5 في المائة اليوم.
وقد مرّت هذه التجربة في ظروف صعبة، واجه فيها الاقتصاد الوطني صدمات متتالية؛ من تداعيات جائحة كورونا، إلى سنوات الجفاف المتعاقب، ثم الاضطراب الكبير في أسعار الطاقة والمواد الأولية. وبرغم كل ذلك، تمكن المغرب من الحفاظ على استقرار مالي ونقدي نسبي، ليصل اليوم إلى عتبة التفكير في خطوة أكثر جرأة: التحرير شبه الكامل لسعر صرف الدرهم.
التعويم لا يعني ترك العملة الوطنية تائهة في الأسواق، بل عملية تقنية معقدة ينفذها بنك المغرب بخطوات محسوبة، تحت رقابة صارمة، وبشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين. الهدف أن يخضع الدرهم أكثر لقانون العرض والطلب، بحيث يعكس قيمته الحقيقية في السوق.
الفائدة الأولى لهذا الإصلاح واضحة: اقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية. فبدل أن يظل الدرهم مقيدًا بسعر ثابت ينهك احتياطيات العملة الصعبة كلما ارتفع النفط أو تقلب اليورو والدولار، يصبح أكثر مرونة في التكيف مع التغيرات الدولية، مما يحافظ على احتياطي النقد ويمنح الاقتصاد هوامش أوسع.
الفائدة الثانية ترتبط مباشرة بالتنافسية. حين تزداد مرونة العملة، تزداد قدرة الصادرات المغربية على دخول الأسواق العالمية بأثمان تنافسية.
المغرب اليوم يصدر السيارات والطاقة المتجددة والأسمدة والمنتجات الفلاحية، ويطمح إلى أن يتحول إلى قطب صناعي إقليمي. ولكي ينجح في ذلك، يحتاج إلى عملة تعكس دينامية اقتصاده، وتساعد على جذب المستثمرين الذين يبحثون عن استقرار القواعد ووضوح قواعد اللعبة.
التعويم، مع ذلك، ليس عصا سحرية. فهو يحمل مخاطر، أهمها احتمال تآكل القدرة الشرائية إذا لم تُضبط العملية بحكمة. تراجع كبير في قيمة الدرهم يعني ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.
لذلك اختار المغرب طريق التدرج، مانحًا الوقت للشركات، وخاصة الصغرى والمتوسطة، للتأقلم مع واقع جديد، وللمجتمع كي يستعد نفسيًا ومؤسساتيًا لهذه النقلة.
بنك المغرب أعلن أنه “جاهز تقنيًا”، لكن الأهم أن يكون الاقتصاد برمته مستعدًا: البنوك، والمقاولات، والهيئات الرقابية، وحتى المستهلك.
صندوق النقد الدولي، من جهته، يرى أن الظرفية ملائمة. التضخم في طريقه إلى التراجع، الاستثمارات تسير بوتيرة صاعدة بفضل مشاريع الماء والطاقة واستعدادات كأس العالم 2030، والاحتياطيات من العملة الصعبة في وضع مريح.
كلها معطيات تجعل من 2026 محطة مناسبة لإعادة إطلاق ورش التعويم بعد أن توقف مؤقتًا بسبب الجائحة.
يبقى السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط: ما الفائدة العملية لهذا الإصلاح؟ الجواب أن التعويم، إذا أُحسن تدبيره، يجعل الاقتصاد أكثر استقرارًا في مواجهة الأزمات، ويقلل من تقلبات أسعار السلع المستوردة، ويفتح الباب أمام استثمارات جديدة قادرة على خلق فرص الشغل. وإذا تم التدرج بعناية، يستفيد المواطن من اقتصاد أكثر قوة وقدرة على النمو.
تحرير الدرهم يعبّر عن ثقة المغرب في نفسه وفي مساره الاقتصادي. فالتدرج الذي اعتمد منذ 2018 وفّر صمام أمان، وأتاح وقتًا ثمينًا للتأقلم مع التحولات العالمية.
ومع اقتراب 2026، تبدو خطوة التعويم محطة محسوبة في مسار بلد يربط قيمة الدرهم بأداء الاقتصاد الوطني، ويعزز ثقته في مساره التنموي.
المصدر: وكالات
