ما عاد الأمرُ يحتمل المجاز. وما عادت اللغةُ قادرةً على تلطيف ما يحدث. أطفال يُغتصبون، لا في الأزقة المعتمة أو الأحياء الهامشية فقط، بل في مخيمات تربوية ومواسم شعبية، في فضاءات يُفترض أن تُربّي، لا أن تُنتهك فيها البراءة. ما يحدث ليس شذوذًا ظرفيًّا، بل مرضًا عضالًا.
ما وقع في “رأس الماء” وموسم مولاي عبد الله ليسا حادثتين معزولتين، بل نموذجين فجّين من مشهد يتكرر بصمت مرعب. جريمة تُرتكب مرارًا وتُطوى على عجل، في ظل تواطؤ غير معلن بين قانون مرتخٍ، ومجتمع متواكل، ومؤسسات تُتقن فنّ التغاضي عند اللزوم.
الحديث عن “تصرفات فردية” فقد مصداقيته. نحن أمام منظومة عاجزة عن حماية القاصرين: مؤطّرون بلا تكوين، رقابة شكلية، تشريعات رخوة، وعقليات تطبع مع الفضيحة ما دامت لا تمسّ الدوائر القريبة منها. النتيجة: طفولة مغدورة، وصدمة مجتمعية تتكرر مع تغيّر الأسماء والمواقع.
لا جدوى من البيانات الغاضبة، ولا من فائض الإدانة الأخلاقية في بلاغات جاهزة. ما نحتاج إليه الآن هو إرادة تشريعية وسياسية تُترجم إلى قانون صارم لا يرحم من ينتهك براءة طفل. لا تساهل، لا ظروف مخففة، لا مرافعات إنشائية عن “الحق في إعادة الإدماج”. من يغتصب قاصرًا، يسقط عنه الحق في التساهل، ويسقط معه القناع عن منظومة تزعم حماية الطفولة، وهي عاجزة حتى عن غربلة من يُشرفون عليها.
تشديد العقوبات لم يعد مطلبًا نخبويًّا، بل ضرورة منطقية وإنسانية. يجب تصنيف جرائم الاعتداء الجنسي على القاصرين ضمن الجرائم ضد الإنسانية، لا تسقط بالتقادم، ولا تخضع لتقديرات القضاة أو لهوامش التسامح القانوني. ويجب التفكير بجدية، ومن دون خجل، في اعتماد عقوبات استثنائية للحالات الخطيرة والمتكرّرة، مثل الإخصاء الكيميائي، كرسالة صريحة بأن المجتمع لن يتساهل بعد اليوم مع مغتصبي الأطفال.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الجريمة، بل في البنية الصامتة التي تسمح لها بالتكرار. والعار لا يكمن فقط فيما جرى، بل فيما لم يُفعل بعد. صدمة اليوم ستهدأ، والرأي العام سيتحرّك لأيام، ثم تعود الأمور إلى طبيعته المختلّة: جريمة جديدة، غضب افتراضي، ثم نسيان. هكذا تعيد الدائرة نفسها بلا أثر رادع.
لكنّ التاريخ لا ينسى. والمجتمع الذي يعجز عن حماية أطفاله لا يستحق مستقبله. فهل نحن جادّون فعلًا؟ أم سنكتفي مرة أخرى بحشو النصوص بالمبادئ، وتلميع الواجهات، بينما تتوالى الجرائم على مدار العام في صمت مريب؟
الطفولة ليست “ملفًّا” يُفتح عند الفضيحة ويُغلق بانتهاء الضجّة. إنها الاختبار الحقيقي لإنسانيتنا. وكل اغتصاب لطفل هو صفعة في وجه هذا الوطن. فإما أن نردّ الصفعة بالحسم، أو نتحمّل العار.
المصدر: وكالات
