تشهد مدينة القصر الكبير، الواقعة شمال غرب المغرب، وضعاً استثنائياً بعد فيضانات مدمرة نهاية يناير 2026. تسببت الأمطار الغزيرة وارتفاع منسوب الأنهار في غرق منازل وإغلاق مداخل المدينة، مما استدعى إخلاء 13 حياً سكنياً وإعلان حالة التأهب القصوى. هذه الأحداث تعيد إلى الأذهان تاريخ المدينة العريق وتأثير العوامل الطبيعية على المنطقة.
أعلنت السلطات المحلية عن إجلاء حوالي 70% من سكان القصر الكبير، مع توقف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية وإغلاق المدارس. وقد تحولت المدينة إلى شبه مهجورة في ظل هذه الظروف الطارئة. وتأتي هذه الفيضانات بعد سنوات من الجفاف، مما يزيد من تعقيد الوضع ويطرح تساؤلات حول إدارة الموارد المائية.
تاريخ مدينة القصر الكبير
تعود جذور القصر الكبير إلى العصور القديمة، حيث عرفت باسم “أبيدوم نوفوم” في العهد الروماني. قبل ذلك، استوطنها الإغريق والقرطاجيون، مما يدل على أهميتها الاستراتيجية عبر التاريخ. تعتبر المدينة نقطة وصل بين طنجة والرباط، مما جعلها مركزاً تجارياً وثقافياً هاماً.
تعتبر معركة الملوك الثلاثة التي وقعت عام 1578 بالقرب من القصر الكبير من الأحداث المحورية في تاريخ المغرب. انتهت المعركة بانتصار المغاربة ومقتل ملك البرتغال سيباستيان الأول، مما عزز مكانة المغرب كقوة إقليمية. تُعد هذه المعركة جزءاً لا يتجزأ من الهوية التاريخية للمدينة.
الموقع الجغرافي وأهميته
تقع مدينة القصر الكبير في وادي نهر اللوكوس، وتتميز بمناخ متوسطي معتدل. يساهم هذا المناخ في ازدهار الزراعة في المنطقة، خاصة بعد بناء سد وادي المخازن الذي ساهم في زيادة الأراضي المسقية. يقع السد على بعد حوالي عشرة كيلومترات من المدينة، ويعتبر من أكبر السدود في المغرب.
تبعد القصر الكبير حوالي 143 كيلومتراً عن الرباط و84 كيلومتراً عن طنجة، مما يجعلها نقطة عبور حيوية بين المدن المغربية الرئيسية. تساهم شبكة السكك الحديدية والطرق في تعزيز دور المدينة كمركز لوجستي وتجاري. وتشكل هذه البنية التحتية دعامة أساسية للتنمية الاقتصادية في المنطقة.
تداعيات الفيضانات الأخيرة على القصر الكبير
تسببت الفيضانات الأخيرة في أضرار جسيمة للبنية التحتية للمدينة، بما في ذلك الطرق والمنازل والمباني العامة. أفادت التقارير الأولية بوجود أضرار في شبكات الكهرباء والمياه، مما أدى إلى انقطاع الخدمات الأساسية. وتواجه السلطات المحلية تحديات كبيرة في تقييم حجم الأضرار وتوفير المساعدات للمتضررين.
أكدت وزارة التجهيز والمياه أن سدود المنطقة وصلت إلى نسبة امتلاء بلغت 51.43%، وهو ما يمثل زيادة كبيرة مقارنة بالعام الماضي. ومع ذلك، فإن هذه الزيادة في منسوب المياه أدت إلى فتح بوابات السدود، مما ساهم في تفاقم الفيضانات. وتشير البيانات إلى أن سد وادي المخازن يحتفظ بكمية كبيرة من المياه، تصل إلى 76.9% من طاقته الاستيعابية.
المعالم التاريخية والثقافية
تضم القصر الكبير العديد من المعالم التاريخية والثقافية، بما في ذلك المسجد الأعظم الذي يعود تاريخه إلى العهد الأدارسة. كما توجد العديد من المساجد والأضرحة التي تعكس التراث الديني للمدينة. تعتبر أسوار المدينة القديمة من المعالم الهامة التي تذكر بتاريخها العريق.
بالإضافة إلى ذلك، تشتهر القصر الكبير بأسواقها التقليدية ومصانع النسيج، مما يعكس النشاط الاقتصادي للمدينة. تعتبر هذه الأسواق جزءاً لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة. وتساهم في الحفاظ على الحرف التقليدية وتعزيز السياحة المحلية.
من المتوقع أن تبدأ السلطات المحلية في تقييم الأضرار بشكل كامل خلال الأسبوع القادم، ووضع خطة لإعادة الإعمار. وستركز الخطة على إصلاح البنية التحتية المتضررة وتوفير الدعم للمتضررين. يبقى التحدي الأكبر هو ضمان عدم تكرار مثل هذه الفيضانات في المستقبل، من خلال تحسين إدارة الموارد المائية وتعزيز البنية التحتية المقاومة للفيضانات.
