القصر الكبير – تستعيد مدينة القصر الكبير شمال المغرب ذاكرتها مع الفيضانات، في ظل حالة التأهب القصوى التي تعيشها المدينة جرّاء الأمطار الغزيرة. هذه الكارثة تعيد إلى الأذهان تاريخ المدينة مع الفيضانات، وتكشف عن هشاشة التخطيط الحضري وإدارة المخاطر الطبيعية. وتواجه المدينة تحديات كبيرة في التعامل مع تداعيات هذه الفيضانات، وتأثيرها على السكان والبنية التحتية.
شهدت القصر الكبير في الأيام الأخيرة تساقطات مطرية استثنائية، تجاوزت قدرة شبكات الصرف والمجاري المائية، مما أدى إلى غرق العديد من الأحياء وتضرر ممتلكات المواطنين. وقد أعلنت السلطات المحلية حالة الطوارئ، وباشرت عمليات إجلاء السكان من المناطق المتضررة، وتوفير المساعدات الإنسانية للمتضررين.
مدينة الفيضانات
يعود تاريخ القصر الكبير مع الفيضانات إلى عقود مضت، حيث كانت المدينة عرضة للغرق بشكل متكرر بسبب ارتفاع منسوب وادي اللوكوس. وبينما ساهم بناء سد وادي المخازن في تقليل خطر الفيضانات في السنوات الأخيرة، إلا أن الأمطار الغزيرة الأخيرة أظهرت أن المدينة لا تزال عرضة للخطر.
وأشار مدير المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والتنموية، مصطفى العيسات، إلى أن موقع المدينة في قلب مجرى وادي اللوكوس يجعلها أكثر عرضة للفيضانات، خاصة مع وجود أحياء منخفضة تقع تحت منسوب مجرى الوادي. كما أن ملء سد وادي المخازن يزيد من تدفق المياه نحو المدينة.
أسباب تفاقم الوضع
يعزو خبراء البيئة والتخطيط العمراني تفاقم وضع الفيضانات في القصر الكبير إلى عدة عوامل، من بينها التوسع العمراني العشوائي في المناطق المعرضة للخطر، وغياب التنسيق بين القطاعات المختلفة، وعدم كفاية الاستثمار في البنية التحتية للصرف الصحي.
ويؤكد الخبير البيئي أحمد الطلحي على أهمية إعادة تهيئة الأودية والمجاري الطبيعية، وتجنب تطويقها أو تغطيتها، لأن ذلك يزيد من خطر الفيضانات. كما يشدد على ضرورة تطبيق القوانين المتعلقة بالبناء في المناطق المعرضة للخطر، ومنع البناء العشوائي.
التخطيط الحضري وإدارة المخاطر
يشير الباحث في الجغرافيا والماء، مصطفى عيشان، إلى أن التخطيط الحضري يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف الطبيعية، وأن يتم إعداد خرائط الأخطار وخرائط الأماكن القابلة للفيضانات، وبناء عليها تُمنح التراخيص للبناء السكني. ويؤكد على أهمية التنسيق بين مختلف القطاعات المتدخلة في إدارة المخاطر الطبيعية، وتوفير الموارد اللازمة للاستثمار في البنية التحتية.
ويضيف عيشان أن إدارة السدود تلعب دوراً حاسماً في منع الفيضانات، ويجب أن تكون هناك خطط واضحة لإفراغ السدود في حالة توقعات بأمطار غزيرة. كما يجب أن تكون هناك آليات فعالة للتواصل مع السكان وإعلامهم بالمخاطر المحتملة.
الفيضانات والتنمية المستدامة
تعتبر الفيضانات في القصر الكبير بمثابة جرس إنذار حول أهمية التنمية المستدامة، وإدارة المخاطر الطبيعية بشكل فعال. فالتوسع العمراني العشوائي والتدهور البيئي يزيدان من تعرض المدن للمخاطر الطبيعية، ويؤثران على حياة السكان.
ويتطلب التعامل مع هذه التحديات تبني نهج شامل ومتكامل، يراعي الجوانب البيئية والاقتصادية والاجتماعية. ويجب أن تشارك جميع الجهات المعنية في هذا النهج، بما في ذلك الحكومة المحلية والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
بالإضافة إلى ذلك، يجب الاستثمار في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، لإيجاد حلول مبتكرة لإدارة المخاطر الطبيعية، والتكيف مع التغيرات المناخية. ويجب أيضاً تعزيز الوعي المجتمعي بالمخاطر الطبيعية، وتدريب السكان على كيفية التعامل معها.
من المتوقع أن تعقد الحكومة المغربية اجتماعاً طارئاً في غضون الأسبوع القادم لمناقشة تداعيات الفيضانات في القصر الكبير، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتقديم المساعدة للمتضررين، ووضع خطة طويلة الأجل للحد من خطر الفيضانات في المستقبل. وسيراقب الخبراء عن كثب تنفيذ هذه الخطة، وتقييم فعاليتها في حماية المدينة من الفيضانات.
