تفاعل باحثون في الشؤون الدينية والمالية الإسلامية مع إعلان المجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية أن أمير المؤمنين، الملك محمد السادس، أصدر أمره إلى المجلس بإصدار فتوى شاملة توضّح للناس أحكام الشرع في موضوع الزكاة، حتى يعلمها من يرغب من عموم المواطنين والمواطنات.
وحظيت مقاصد وأبعاد الخطوة الملكية، التي أُعلِنَ عنها تزامناً مع احتفاء المسلمين بذكرى ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بتثمين وتنويه لافتين من لدن باحثين مختصين، ممّن استقت جريدة هسبريس آراءهم.
ويتجلى “المقصد الأسمى من إصدار هذه الفتوى مقصداً علمياً تبليغياً محضاً”، حسب نص بلاغ المجلس العلمي الأعلى؛ فيما تأتي الخطوة في سياق “الإجابة عن الأسئلة الكثيرة التي يرفعها الناس في هذا الموضوع، ولاسيما ما يتعلق بالزكاة على الأموال المكتسبة من الأنشطة المستجدة في الحياة الاقتصادية الحديثة كالأجور والخدمات ومختلف الاستثمارات والمعاملات، وذلك بخصوص النصاب والمقادير وأوقات الإخراج”.
ومن المرتقب، وفق المعطيات الرسمية المعلنة، أن يتم نشر الفتوى، التي ستشتغل عليها الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء ومن قد تستعين بهم من الخبراء في هذا الموضوع، “في حدود شهر”، كما أن المجلس سيفتح إثر ذلك موقعاً على الإنترنت خاصاً بشؤون أحكام الزكاة، يُسجّل فيه الناس أسئلتهم ويتوصلون عبره بالجواب.
توسيع الوعي بـ”ركن مُضيَّع”
في قراءته للموضوع، أكد عبد السلام بلاجي، أستاذ المالية الإسلامية نائب رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في ركن الزكاة، أن “الأمر بإصدار الفتوى الشاملة في موضوع الزكاة يندرج في إطار الاختصاص الديني الحصري لجلالة الملك بصفته أمير المؤمنين ورئيس المجلس العلمي الأعلى، وهو ما يضفي عليها طابع الإلزام والمرجعية الشرعية العليا”.
وأوضح بلاجي، في تصريح مفصل لجريدة هسبريس، أن “المجلس العلمي الأعلى، إلى جانب مختلف الفاعلين في مجال الفقه الإسلامي، معنيّون بتفعيل هذه التوجيهات بتوضيح أحكام الزكاة للمواطنين بشكل شامل ودقيق، سواء فيما يتعلق بـ’الأنصبة المرتبطة بالأنعام والمنتوجات الفلاحية والصيد البحري’، أو مختلف المداخيل المهنية والأعمال الحرة، إضافة إلى القضايا المالية-الاقتصادية ‘المستجدة ذات الصلة’”.
كما شدّد على “أهمية تمكين كل مسلم من معرفة ما له وما عليه بخصوص هذا الركن الأساسي من أركان الإسلام، بما في ذلك: أوقات إخراج الزكاة، والفئات المستحقة لها، وسائر الأحكام التفصيلية المرتبطة بها، ضماناً لقيام الناس بواجبهم الديني على بصيرة”. وزاد منوهاً: “مِن شأن إحداث منصة إلكترونية متخصصة في هذا المجال، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول الإسلامية، أن يُسهم في تبسيط المعارف الشرعية وتوسيع دائرة الوعي بأحكام الزكاة في المجتمع”.
وقرأ بلاجي، الذي يرأس الجمعية المغربية للاقتصاد الإسلامي، في الأمر الملكي بإعداد فتوى شاملة حول الزكاة “دلالات عميقة تتصل بالدور الدستوري للمؤسسة الملكية بصفته أمير المؤمنين، المسؤول عن رعاية الشؤون الدينية وصون مرجعيتها بالمغرب”.
وأوضح المُصْدِحُ مفصّلاً أن الزكاة، باعتبارها ركناً أساسياً من أركان الإسلام، تستوجب عناية خاصّة، لاسيما وأنها توصف في كثير من الأحيان بأنها “ركن مضيَّع” لم ينل ما يستحقه من الاهتمام والشرح، متوقعاً أن يكون للتوجيه الملكي “دور حاسم في إعادة الاعتبار لمكانة الزكاة بين أركان الإسلام الخمسة، وإثارة وعي جديد بأهميتها على المستويات الدينية والعلمية والاجتماعية”.
سياق تاريخي يحفز “الأثر المحتمل”
واستدل أستاذ المالية الإسلامية على أن “مبادرة إنشاء صندوق للزكاة قد تحمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية واعدة”، مذكّراً في السياق بـ”مبادرة سابقة مطلع الألفية (حوالي سنة 2004) هدفت إلى إرساء هذا المشروع”، مشدداً على أن “الغاية من الصندوق تكمن في الإشراف على تنفيذ ركن الزكاة وضمان توجيه نتائجه بما يحقق المصلحة العامة”، مؤكداً أن “الزكاة لا يمكن أن تؤدي دورها الكامل إلا من خلال مؤسسة منظَّمة تضطلع بإدارة شؤونها”.
كما أشار إلى أن الملك الراحل الحسن الثاني – رحمه الله – سبق أن طرح فكرة تأسيس مؤسسة للزكاة قبل وفاته، معبراً عن أمله أن “يرى هذا المشروع النور في عهد الملك محمد السادس، وأن يظل من المبادرات المباركة التي تُسجّل في سِجلّ حسناته”.
وقَدَّر نائب رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في ركن الزكاة أن “تفعيل الزكاة في إطار مؤسسة منظمة تعنى بإحصاء المكلفين بها والمستحقين لها سيُحدث آثاراً اجتماعية عميقة في مكافحة الهشاشة والتهميش والفقر، عبر الرفع من مستوى الدخل لدى شرائح واسعة من الفئات المهمشة والفقيرة”. خاتماً: “معلوم أنّ أي ارتفاع في الدخل ينعكس إيجاباً على مستوى الطلب الداخلي، مما يؤدي بدوره إلى تحفيز الإنتاج الوطني، وهو ما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، والحد من البطالة، وتعزيز الدورة الاقتصادية بشكل عام. هذه الانعكاسات الأولية تبرز فقط جانباً من الأثر المحتمل، بينما الموضوع في عمقه يستدعي تفصيلات أوسع ودراسات معمقة لإبراز كامل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية”.
تعزيز الوعي الشرعي
رأى أحمد البوكيلي، أستاذ باحث في الفكر الإسلامي بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “الأمر الملكي السامي للمجلس العلمي الأعلى بإصدار فتوى شاملة حول الزكاة ينبع بالدرجة الأولى من موقعه كأمير للمؤمنين، باعتبار هذه المؤسسة مسؤولة رسمياً عن الأمن الروحي للمغاربة”، مؤطراً ذلك في سياق “نشر الثقافة الدينية وتعزيز الوعي الشرعي لدى المجتمع المغربي، خصوصاً فيما يتعلق بالزكاة، التي تتسم تفاصيلها أحياناً بتباين بين المذاهب، مما يستدعي توضيح أحكامها بشكل جامع ودقيق”.
واستحضر البوكيلي “اعتزاز المغاربة بنموذج المملكة الديني الذي يجمع بين التشريع الديني والبعد الواقعي والاجتماعي”، وبأن “هذه الفتوى الملكية تأتي ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى تعزيز المعرفة الشرعية بالزكاة لدى المواطنين، وضمان قيامهم بهذا الركن على الوجه الصحيح، بما يحقق الغاية التعبدية والاجتماعية والاقتصادية لهذا الركن”.
وزاد مستقرئاً دلالات “الاهتمام الملكي بالزكاة بما يعكس عطفاً ملكياً متواصلاً على الفئات الاجتماعية المستحقة، ويبرز دور الزكاة كمؤسسة اقتصادية واجتماعية قادرة على دعم التنمية المجتمعية، حيث يمكن أن تصل ميزانيتها إلى ملايير الدراهم تُوظف في تلبية حاجيات الطبقات الفقيرة والمهمشة، بما يجعل للزكاة دلالة رمزية في صرح النضج الحضاري للمجتمع المغربي”.
الزكاة داعمة لتنمية المجتمع
بحسبه “لا يقتصر ذلك على البعد الديني فقط، بل يشمل البعد الاجتماعي والتنموي، من خلال نشر الثقافة الدينية وتعزيز التضامن الاقتصادي، بما يسهم في إدخال الفرح والطمأنينة على الفئات المستحقة، ويجسد رؤية ملكية مؤسساتية جديدة للزكاة ترتقي بها إلى مستوى مسؤولية وطنية ومجتمعية شاملة”.
وشدد الأستاذ الباحث في الشؤون الإسلامية على فكرة أن “إمارة المؤمنين هي المؤسسة المركزية التي ترعى هذا التوجه الديني والاجتماعي، حيث تعكس النظرة الملكية لموقع الزكاة في التنمية المجتمعية جزءاً من الحكمة الملكية في المغرب”.
وتابع: “المدرسة المغربية في التدين تتسم بنهج شمولي يربط بين البعد الروحي والديني، والبعد الاجتماعي والتنموي، دون فصلٍ بينها؛ ما يعكس خصوصية وثراء التجربة المغربية التاريخية”.
وختم بقوله: “تاريخ المغرب حافل بالمؤسسات التي جمعت بين الدين والخدمة المجتمعية، مثل الوقف، الذي رغم طابعه الديني، أصبح مؤسسة اجتماعية واقتصادية تسهم في التنمية الوطنية وتدعيم التضامن بين أفراد المجتمع، وهو النموذج الذي يُستكمل اليوم من خلال تنظيم الزكاة في إطار مؤسسي جديد يُعزز التكافل ويحقق الفائدة العامة”.
المصدر: وكالات
