القصر الكبير – بعد ثلاثة أيام من فيضانات وادي اللوكوس، بدأت مدينة القصر الكبير شمال المغرب في استعادة الحياة تدريجياً، وإن كان ذلك بحذر. انحسرت المياه عن معظم الأزقة، لكن بعضها لا يزال مغموراً، بينما لا يزال القلق يخيم على وجوه السكان. وتواجه المدينة تحديات كبيرة في التعامل مع آثار الفيضانات وتوفير المأوى للمتضررين.
وفي الأحياء القريبة من مناطق الفيضان، يراقب السكان السماء والنشرات الجوية باهتمام أكبر من مراقبة الوقت. اختارت بعض العائلات الانتقال إلى مراكز إيواء مؤقتة في المدارس والمؤسسات الاجتماعية، بينما فضلت أخرى البقاء بالقرب من منازلها خوفاً من فقدان ممتلكاتها. وتعتبر هذه الفيضانات تحدياً إضافياً للمدينة التي تعاني بالفعل من مشاكل اجتماعية واقتصادية.
تداعيات الفيضانات وتأثيرها على السكان
قالت فاطمة، التي قضت ليلتين في مدرسة ابتدائية، “قُدر لنا أن نعيش هذه الأيام خارج بيوتنا، ونأمل العودة إليها سريعاً”. أما عبد الرحمن، فقد عبر عن قلقه بصوت متهدج قائلاً “أبحث الآن عن مأوى لدى عائلتي في مدينة أصيلة القريبة. يبدو أن حياتي قد تغيرت ويجب أن أتكيف مع الوضع الحالي حتى تعود الأمور إلى طبيعتها”. وتعكس هذه الشهادات حجم المعاناة التي يعيشها السكان المتضررون.
وتشير التقارير الأولية إلى أن الأضرار المادية كبيرة، حيث تضررت المنازل والمحلات التجارية والبنية التحتية بشكل واسع. وقد أدى ارتفاع منسوب المياه إلى ضعف شبكة الصرف الصحي، مما زاد من حدة الأزمة. وتواجه السلطات المحلية تحدياً كبيراً في تقييم حجم الأضرار وتوفير المساعدات اللازمة للمتضررين.
جهود الإغاثة والتضامن
وسط الفوضى التي أحدثتها المياه، برزت مبادرات إنسانية من قبل المواطنين المحليين. تطوع البعض لنقل العائلات المحاصرة بالقوارب أو العربات، بينما عرض آخرون توفير المأوى والغذاء للمتضررين. وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أرقام هواتف لتنظيم الإيواء والنقل، مما يعكس روح التضامن والتكاتف بين أفراد المجتمع.
كما تدخلت القوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية لتقديم المساعدة للمتضررين. تم نصب خيام في ملاعب القرب لإيواء الأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها، وتوزيع المساعدات الغذائية والعلاجية. وتعتبر هذه الجهود ضرورية لتخفيف معاناة السكان المتضررين وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم.
هاجس الإيواء وتحديات الاستعداد للمستقبل
يشكل إيواء السكان المتضررين تحدياً كبيراً، ليس فقط بسبب العدد المتزايد للأسر التي فقدت منازلها، بل أيضاً بسبب القلق المرتبط بمدة الإيواء وظروفه. وتطالب العديد من الأسر بتوفير مأوى لائق وتغذية ومواكبة صحية ونفسية، بالإضافة إلى التواصل المستمر مع السلطات المحلية للاطلاع على آخر المستجدات.
من جهته، أكد الخبير البيئي مصطفى بنرامل أن التعامل مع الفيضانات يتطلب تحولاً من رد الفعل إلى الاستباق والتخطيط طويل الأمد. وأشار إلى ضرورة تأهيل البنية التحتية ومنع البناء في المناطق المعرضة للغمر، وإدماج البعد المناخي في التخطيطات الترابية. وشدد على أن الفيضانات ليست مجرد حالة عرضية، بل هي جرس إنذار يتطلب اتخاذ إجراءات وقائية فعالة.
وأضاف بنرامل أن التغيرات المناخية تزيد من تواتر وشدة الظواهر الجوية المتطرفة، مما يستدعي الاستعداد لمواجهة هذه التحديات بشكل أفضل. ويتطلب ذلك الاستثمار في البنية التحتية المقاومة للمناخ، وتوعية السكان بالمخاطر المحتملة، وتطوير خطط استجابة فعالة للطوارئ.
وفي سياق متصل، أعلنت السلطات المحلية عن استمرار عمليات شفط المياه وفتح الطرق المقطوعة. كما تم تشكيل لجنة لتقييم حجم الأضرار وتقديم المساعدات اللازمة للمتضررين. ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن خطة شاملة لإعادة بناء المناطق المتضررة في الأيام القادمة.
من المقرر أن تعقد السلطات المحلية اجتماعاً طارئاً الأسبوع المقبل لمناقشة الإجراءات اللازمة للتعامل مع تداعيات الفيضانات وتوفير الدعم اللازم للمتضررين. وسيركز الاجتماع على تقييم حجم الأضرار وتحديد الاحتياجات العاجلة ووضع خطة لإعادة الإعمار. وتظل التحديات كبيرة، لكن هناك أمل في أن تتمكن المدينة من تجاوز هذه الأزمة والعودة إلى طبيعتها.
