صورة جميلة نرسمها لمغرب المستقبل، في بنياته التحتية وتأثيره السياسي في إفريقيا والعالم وفي موقعه الديبلوماسي، خاصة بعد اجتياز امتحان كأس العالم بلا أضرار وبمنافع جمة.
مستقبلا، سيعرف المغرب تطورا هائلا في شبكته الطرقية، من الطريق السيار للوسط بين مراكش وتطوان إلى طرقه السريعة التي ستطول وتتشعب، وفي شبكته السككية، وموانئه الضخمة التي ستزاحم ما لدى أوروبا، ومطاراته التي تتوسع دون أن تتعدد، ومدنه التي ستغدو أكثر عصرنة وانخراطا في الزمن الحاضر، وفي اندماجه في منظومات التواصل الأكثر تعقيدا في مؤسساته العامة والخاصة. وقد توجد حلول معقولة لمشاكل التعليم والصحة بقليل من الإرادة والصدق رغم أن ذلك يدخل في باب المحال.
الصحراء المغربية، في إطار الجهوية، ستتحول من عبء على الدولة إلى مستوى الاستقلال الاقتصادي ولم لا إلى فائض مادي ينفع الشمال، وستكون أداة تلحم المغرب مع عمقه الإفريقي بشكل غير مسبوق.
سيكون المغرب قد حقق انتقالا طاقيا مهمّا من الحراري إلى الشمسي والريحي بأكثر من 52% ولن يكون استيراد البترول والغاز عبئا على الموازنة العامة، هذا إذا لم تتحقق اكتشافات غازية عظمى. وقد يكون أنبوب الغاز نيجيريا المغرب أنجز قفزة كبيرة في بلوغ الاستقلال الطاقي.
وقد يكون التطور الصناعي وصل إلى تنافسية كبيرة مع كبار المصنعين، في صناعة السيارات والطائرات والمعدات العسكرية، مِمّا يحقق فائضا كبيرا من العملات الصعبة.
وقد تتطور البنيات الفندقية بما يسمح باحتلال المغرب لأحد الصفوف العشرين الأولى، باستقبال ثلاثين أو أربعين مليون سائح.
كل هذا ليس حلما وإنما هو توقع منطقي أخذا بعين الاعتبار السرعة التي يتحول بها المغرب حاليا.
لكن، المؤلم في كل هذا هو الإنسان المغربي، الذي لا يساير هذا التطور، لا معرفيا ولا ثقافيا ولا حضاريا، بل قد يعرف نكوصا وقهقرى وانقلابا على العقِبين. المغربي الذي لا يريد أن يتنازل عن كسب قوت حياته بكل الطرق، بالحلال والحرام، بالممنوع والمباح، بالحق والباطل، بالقانوني وغير القانوني. بمهن المخاطرة العليا كالعيش من المخدرات أو التهريب أو النصب والاحتيال أو الرشوة واستغلال المناصب والغش في البيع والشراء وغيرها. أو بمهن المخاطرة المتوسطة، كالعنف المهني، في وسائل النقل خارج القانون واحتلال الملك العمومي الكبير والصغير، من الزقاق الصغير إلى الشاطئ الكبير وحراسة السيارات والتحرش في الفضاء العام والخاص والغش في الامتحانات والمباريات والشغب الرياضي وتخريب المرافق العمومية وغير ذلك مما يصعب حصره.
الحياة السياسية هي أيضا جزء من معضلات المستقبل، لأن النائب والمستشار وعضو المجلس الجماعي لن يتحولوا إلى الصفاء والشرف والحس الوطني بسهولة، حتى ولو كان الحرص على تطبيق القانون أكثر صرامة.
احترام قانون السير واحد من أنواع المخاطرة الثانوية، التي لا يخرج أصحابها عن مستوى اقتراف المخالفة، لكن العواقب كارثية تخص الأرواح التي تُزهق سنويا بالآلاف وكأننا في حرب حقيقية.
ماذا نصنع كي نرتقي بالإنسان حتى يكون في مستوى تطور المغرب في جميع المناحي؟ حتى لا نرى ملعب الحسن الثاني الذي سيكون تحفة معمارية عالمية ليس لها نظير، تخرب كراسيه ويدك عشبه وتكسر مرافقه، كيف ننجز أحسن ملعب في العالم ولا نهيئ مواطنا يمتلك 10% من مستوى حضارة الياباني أو النرويجي؟
تطبيع المغاربة مع الحضارة شأن تربوي ديني اجتماعي سياسي، والتفكير في حل للمعضلة خارج هذا الشأن مجرد صب ماء كثير في رمل واسع.
المصدر: وكالات
