يعيد ارتفاع درجة الحرارة الذي تشهده المملكة في الوقت الراهن إلى الواجهة موضوع الحرائق، وهو الإشكال الذي حرم البلاد من مساحات مهمة من غطائها الغابوي خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بالأقاليم الشمالية، في ظل ارتفاع حدته على المستوى العالمي.
وأثارت المفوضية الأوروبية ضمن تقرير لها، الأسبوع الجاري، هذا الموضوع، بعد أن أكدت فقدان العالم خلال السنة الماضية أزيد من 502 ألف هكتار من الغطاء الغابوي، خصوصا بدول البحر الأبيض المتوسط التي كانت اليونان الأكثر تعرضا للخسائر من بينها.
وأمام تأكيد المفوضية أن حرائق سنة 2023 كانت الأسوأ وإعلان مراكز أبحاث متطابقة أن سنة 2024 ستكون حارة بدورها، بات التساؤل مطروحا بالمغرب حول ضرورة الاستعداد المبكر لأي حوادث مفاجئة، ووضع الموارد البشرية واللوجيستية في حالة تأهب، مع التركيز على استخدام الوسائل التقنية المتطورة، بما فيها طائرات “كنداير”.
وسبق أن أكدت منصة “غلوبال فوريست ووتش” العالمية، ضمن إحصائيات لها، أن المغرب فقد ما بين 2001 و2022 حوالي 54.6 ألف هكتار من التغطية الغابوية، بما فيها 25.6 ألف هكتار بفعل الحرائق، في حين إن 29 ألف هكتارا المتبقية قضت عليها عوامل أخرى.
في هذا الصدد، قال محمد سعيد قروق، أستاذ علم المناخ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إن “الحرارة الحالية راجعة لكون الميزانية الطاقية للأرض لم تصل بعد إلى نقطة الاستقرار، على اعتبار أنها كانت خلال السنة الماضية في أعلى مستوياتها، وهو ما يعد من أبرز شروط اندلاع الحرائق من الناحية العلمية”.
وأضاف قروق، في تصريح لهسبريس، أن “ارتفاع الحرارة يؤدي بشكل مباشر إلى تراجع الرطوبة على مستوى الهواء، وبالتالي يمكن أن ينتج لنا، في حالة وجود أخطاء بشرية، حرائقَ على مستوى الغابات الوطنية تصعب السيطرة عليها في وقت وجيز”، لافتا إلى أن “المغرب يتوفر على إدارة مكلفة بالموضوع وعلى لوجستيك خاص كذلك بالتدخلات الميدانية”.
ورصد المتحدث بعضا من الإكراهات التي تواجه هذه التدخلات، منها كون “عملية الإخماد باعتماد طائرات كنداير تحتاج إلى وجود وفرة في المياه السطحية، الشيء الذي يعقد مهمتها، وهو المشكل المطروح بالمناطق الداخلية للمملكة عكس المناطق الساحلية التي لديها وفرة في هذه الموارد”.
وشدد المتحدث ذاته على “ضرورة اللجوء إلى مقاربة استباقية في هذا الإطار تمكن من التصدي لأي خطر قد يهدد النسيج الوطني الغابوي، إذ يجب تعبئة مختلف الموارد اللوجيستية ووضعها في حالة تأهب”، مبرزا مدى أهمية “الاعتماد على الأقمار الصناعية المغربية لرصد مختلف الأنشطة غير القانونية التي تتم على مستوى الغابات الوطنية”.
واعتبر قروق أن “الاستباق من شأنه تفادي خسارة هكتارات من الغابات في الوقت الذي بدأ فيه موسم الحرائق بحوض البحر الأبيض المتوسط. وعليه، وجب تحقيق التكامل في هذا الصدد بين المؤسسات المعنية بغرض التصدي لكل الأنشطة التي من شأنها أن تتلف الموارد الغابوية للبلاد”.
من جهته، أكد فؤاد الزهراني، دكتور في التنمية المستدامة، أن “خطورة ما باتت تتعرض له الغابات الوطنية يثير القلق بالنظر إلى كونه يحرم البلاد من غطائها الغابوي؛ فحوالي 15 في المائة هي التي تكون حرائق ذاتية، في حين إن 85 في المائة تكون أساسا مرتبطة بفعل بشري صرف، وهو الأمر الذي يجب أن يعالج بحزم تزامنا مع بداية ارتفاع درجات الحرارة وموسم الحرائق كذلك”.
وأورد الزهراني، في تصريح لهسبريس، أن “الجهات الرسمية مطالبة بمزيد من التدابير الصارمة، بما فيها تحديد الاصطياف بالغابات ونوعية الأنشطة المسموح بداخلها، وهو ما ينص عليه أساسا مشروع القانون رقم 21.22 المتعلق بالمحافظة على الغابات وتنميتها المستدامة، حيث يظل ذا بعد استراتيجي مهم”.
وعاد المتحدث ذاته ليشدد على أن “المشاكل اللوجيستية تظل من بين النقاط الواجب معالجتها، إذ نجد أن هنالك صعوبة في وصول الإطفاء الميداني إلى عدد من المناطق في الوقت المناسب، وهو ما يُعزى إلى ضعف نقاط انتشار الوقاية المدنية على مستوى المناطق الداخلية تحديدا؛ الأمر الذي يطلق إشارات إلى ضرورة وضع تصور ميداني في هذا السياق”.
الدكتور في التنمية المستدامة أفاد كذلك بأن “الاستباق المؤسساتي بخصوص الحرائق يظل مهما، على اعتبار أنه سيمكن من تفادي كل الأخطار المحدقة بالغطاء الغابوي المغربي، في الوقت الذي فقدنا فيه نسبة مهمة منه خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بمنطقة الشمال، وهو ما لا نريد تكراره”.
المصدر: وكالات
