انشغل الأساتذة الجامعيون بالمغرب، خلال الساعات الماضية، بمناقشة موضوع شروط ولوج سلك الماستر، تفاعلا مع المستجدات التي حملها دفتر الضوابط البيداغوجية الجديد الذي يشترط اعتماد الانتقاء عوضا عن منهجية الاختبارات الكتابية والشفهية المعمول بها منذ سنوات.
ولم تكن هذه المستجدات المتعلقة بسلك الماستر لتحظى بالإجماع، على اعتبار أن تفاعلات الأساتذة الجامعيين معها جاءت متباينة؛ فإذا كانت طائفة منهم قد اعتبرت أن اعتماد الانتقاء بناء على النقط المحصل عليها في سلك الإجازة “سيحد من ممارسات مشبوهة تثير الجدل دائما وسيدعم الشفافية”، فإن طائفة أخرى دفعت بـ”صعوبة تنزيل هكذا إجراء، بالنظر إلى وجود إشكالية رئيسية، على رأسها اختلاف منهجية التنقيط من كلية إلى أخرى”.
بين الرفض والإشادة
بخصوص هذا الموضوع، كتب رضوان اعميمي، أستاذ القانون الإداري بجامعة محمد الخامس بالرباط، ما يلي: “قرار فتح الولوج إلى الماستر بناء على انتقاء ودون مباراة قريب من تحقيق المساواة شكلا، وبعيد عن تحقيق العدالة بين الطلبة، خاصة إذا علمنا أن تطبيق المعايير (المعدلات والنقط..) فقط سيفرز اختلالات عديدة”.
وأكد اعميمي، ضمن منشور له في حائطه على موقع “فيسبوك”، أن “معايير التقييم والتنقيط وظروف الاشتغال تختلف بين الجامعات ومؤسساتها؛ وبالتالي تفرز تفاوتات كبيرة في النتائج التي ستعتمد في ولوج الماستر، ناهيك عن مشكل الطاقة الاستيعابية لمسالك الماستر التي لا تتلاءم مع آلية الانتقاء التي يفترض أن تفضي مخرجاتها إلى عدد كبير من مستحقي الولوج (…)”.
وزاد شارحا: “إذن، هي تجربة جديدة في حقل تجارب منظومة التعليم العالي التي لا تنتهي حتى تبدأ من جديد، دون تقييم سابق، ولا تَدرّج في التنزيل، ولا إشراك للمؤسسات (نموذج المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي والهياكل الجامعية..). ومع ذلك فإن بعض الإيجابيات لا يمكن إنكارها، خاصة ما يتعلق بتعزيز وحدات التخصص والجذوع المشتركة، وتعزيز دور الشعب”.
في سياق متصل، وصف هشام المراكشي، أستاذ باحث بجامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة، هذا المستجد بأنه “قرار غير صائبٍ”؛ غير أنه استدرك بالقول: “لكن لكي نحيط بكل المقتضيات، يجب أن ننتظر التنزيل الفعلي، خاصة عدد الطلبة الذين سيتم تسجيلهم في سلك الماستر، وهل سيكون انتقاء بالمعدل العام أم بالميزات، أم الاقتصار على نقط الفصلين الخامس والسادس، أم بالنقط المحصل عليها في بعض المواد التي لها علاقة بالماستر.. وهل سيكون ملف وصفي موحد، أم كل كلية سيكون لها ملف وصفي خاص بها”.
من جهته، دوّن الجامعي رشيد المدور على “حائطه الفيسبوكي” ما يلي: “من الموسم الجامعي المقبل، الولوج إلى سلك الماستر صار أسهل وأوضح، فقط بناء على الانتقاء وملف الترشيح حسب معايير المسلك. والأروع هو أن الحاصلين على إجازة التميز سينتقلون مباشرة وبدون عناء إلى سلك الماستر”.
إشكاليات واقعية
في سياق ذي صلة، قال العربي البوبكري، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بوجدة، إن القرار المذكور “لن يساهم في تحقيق الجودة، ولن يكرس الاستحقاق، وسيخلق تفاوتات كبيرة في عملية التقييم، وستفقد شهادة الماستر قيمتها، بعدما فقدت قيمة الإجازة”.
وتابع البوبكري: “لن أتحدث عن فساد آخر سيحل ضيفا على المنظومة البيداغوجية الجامعية، ولا عن ارتفاع منسوب الغش في الامتحانات وتحديات مواجهته. شخصيا، لست متفقا؛ وهذا رأيي أقوله بكل صدق”.
أما أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، فقد عبّر كتابة عن رأيه حول الموضوع، إذ سجّل ضمن منشور له ما يلي: “هذا الإصلاح يحمل إيجابيات كبيرة؛ لكنه يتضمن سلبيات عديدة، وستبين الممارسة العملية في السنوات المقبلة هذه السلبيات والإيجابيات بشكل ملموس”.
في سياق ذي صلة، أكد مصدر من داخل جامعة محمد الخامس بالرباط أن “هذا التوجه في حد ذاته مرغوب فيه، ومن شأنه أن يخفف من حدة الممارسات المشبوهة التي نشأ بخصوصها نقاش مجتمعي وأكاديمي في الآونة الأخيرة”.
وأكد المصدر ذاته أن “تنزيل هذه المقتضيات سيصطدم، فعلا، بمجموعة من العراقيل؛ على رأسها التفاوت في النقط الممنوحة لطلبة سلك الإجازة بكل كلية؛ فهناك كليات تلامس فيها المعدلات سقف 15 نقطة، في حين أن المعدلات بكليات أخرى لا تزيد عن 13 نقطة، على سبيل المثال”.
وزاد: “كان بإمكان القائمين على شؤون وزارة التعليم العالي أن يناقشوا هذه التعديلات مع الأساتذة الجامعيين والنقابة الوطنية للتعليم العالي قبل أشهر، حتى يتم الوصول إلى خلاصات بشأن الخيار الذي سيكون أنجع وتطبيقه خلال الموسم الجامعي الجديد”، مبرزا أن “المعركة الجديدة التي سيخوضها الجسم الجامعي خلال الأسابيع المقبلة هي ملاءمة وحدات كل ماستر مع دفتر الضوابط البيداغوجية الصادر بالجريدة الرسمية؛ وهو أمر لوحده ما يحتاج إلى حصيص زمني لا يُستهان بها.
ضوابط بيداغوجية جديدة
جاء ضمن دفتر الضوابط البيداغوجية الخاص بسلك الماستر، الصادر مؤخرا بالجريدة الرسمية، ما يلي: “يتم ولوج تكوينات سلك الماستر عن طريق الانتقاء، بعد دراسة ملفات الترشيح بناء على معايير القبول المحددة في الملف الوصفي للمسلك المعتمد”.
وفقا للدفتر ذاته، فإن “الطلبة الحاصلين على الإجازة في إطار المراكز المحدثة طبقا للقانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي والنصوص المتخذة لتطبيقه، والمسمّاة مراكز التميز، يلجون بصفة تلقائية إلى سلك الماستر الذي تحتضنه هذه المراكز”.
وأبرزت الوثيقة ذاتها أيضا أنه “تُشكل لجنة لانتقاء المترشحين، تضم رئيس المؤسسة التي ينتمي إليها السلك أو من ينوب عنه بصفته رئيسا، ورئيس الشعبة التي يرتبط بها السلك، والمنسق البيداغوجي للمسلك، وعند الاقتضاء، أعضاء آخرين يتم تعيينهم من طرف رئيس المؤسسة”.
وتقوم هذه اللجنة بإنجاز محضر يتم بموجبه حصر لائحة الطلبة الذين تم انتقاؤهم، وكذا لائحة الانتظار، ويوقع عليه من طرف أعضاء اللجنة، وتُرسل نسخة أصلية من هذا المحضر إلى كل من رئيس الجامعة ورئيس المؤسسة، المخول لهما نشر نتائج الانتقاء.
تجدر الإشارة إلى أن عز الدين ميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، سبق أن أكد أن “أي حاصل على الإجازة من حقه أن يلج الماستر بشكل أوتوماتيكي، ورئيس الجامعة لديه المسؤولية لإيجاد مقعد له، سواء في الماسترات النظرية أو العادية. أما بالنسبة لماسترات التميز، فيجب أن يخضع الولوج إليها إلى انتقاء”.
المصدر: وكالات
