صدر حديثًا عن مؤسسة الشهيد امحمد أحمد بن عبود كتاب جديد للباحث المغربي الدكتور محمد عبد المومن، بعنوان: “التهريب المناطقي بالمغرب (1927-1956)”. ويُعنى هذا العمل بالكشف عن واحدة من الظواهر المركبة التي شهدها المغرب إبّان فترة الحماية، حيث عايش البلد وضعًا استثنائيًا بتقسيمه إلى ثلاث مناطق نفوذ: فرنسية، وإسبانية، ودولية بطنجة، وهو ما أفرز سياقات خاصة ساعدت على نشوء شبكات تهريب متداخلة لعبت أدوارًا اقتصادية واجتماعية وسياسية.
يشير المؤلف إلى أن المغرب ربما كان البلد الوحيد في إفريقيا والعالم الذي عرف مثل هذا التقسيم الثلاثي، الذي خلق فسيفساء من القوانين والأنظمة الإدارية، وجعل من التهريب نشاطًا عابرًا للحدود المصطنعة. وقد تحول هذا النشاط، في نظر الباحث، من ممارسة اقتصادية هامشية إلى ظاهرة بنيوية ارتبطت بمسار المقاومة الوطنية وتطلعات المجتمع في ظل الاستعمار.
ينطلق الكتاب من دراسة السياقات التاريخية التي سمحت بانتشار التهريب، مبرزًا كيف ساهم ضعف السلطة المركزية وتعدد المرجعيات القانونية في توسع هذه الشبكات. كما يتوقف عند البنى الاجتماعية التي صنعتها، بما في ذلك شبكة الوسطاء والعلاقات المعقدة بين المهربين من جهة، والسلطات الاستعمارية والسكان المحليين من جهة أخرى، وهو ما جعل الظاهرة تُنظر إليها كآلية مقبولة في المخيال الجماعي لمناطق حدودية عديدة.
ويفصل العمل في المسالك والطرق التي اعتمدها المهربون، ووسائل النقل التي استُخدمت، من الدواب والقوارب التقليدية إلى السيارات والشاحنات، مبرزًا كيف تجاوز التهريب الحدود الإدارية ليغدو شبكة منظمة مرتبطة بالحاجات اليومية للناس، وأحيانًا بالمصالح الاقتصادية للقوى الاستعمارية.
كما يضيء المؤلف على طبيعة البضائع المهربة، التي لم تقتصر على المواد الغذائية والاستهلاكية، بل شملت سلعًا ذات قيمة استراتيجية، وفي مقدمتها الأسلحة التي ساعدت في إمداد المقاومة الوطنية والفدائيين بالعدة والعتاد. وهكذا يكشف الكتاب عن الصلة الوثيقة بين التهريب والعمل النضالي، حيث تحولت الظاهرة من نشاط اقتصادي غير رسمي إلى رافعة لدعم مسار التحرر الوطني.
ولا يغفل المؤلف دراسة الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذه الممارسات، مبرزًا أن محاولات سلطات الحماية الفرنسية والإسبانية للحد منها عبر التشريعات والزجر ظلت محدودة الفاعلية، بالنظر إلى قدرة المهربين على التكيف المستمر مع المتغيرات. فالتهريب شكّل، في حالات عديدة، بديلاً عن الاقتصاد الرسمي ومتنفسًا للسكان المحليين في مواجهة الأوضاع الاستعمارية الضاغطة.
تكمن أهمية هذا الإصدار في كونه يفتح ملفًا لم يحظ بالاهتمام الكافي من قبل الدراسات التاريخية، إذ يبين أن التهريب المناطقي لم يكن مجرد ممارسة محلية عابرة، بل ظاهرة تركت بصماتها العميقة على الحياة اليومية للمغاربة، وأسهمت في تشكيل ملامح المقاومة المسلحة. وبفضل اعتماده على أرشيف متنوع ومصادر دقيقة، يقدم الكتاب قراءة جديدة لعلاقة الاقتصاد غير الرسمي بالحركات الوطنية وبالسلطات الاستعمارية.
ويخلص الدكتور محمد عبد المومن في عمله إلى أن فهم التهريب المناطقي يتيح قراءة أوسع للتداخل بين الاقتصاد والسياسة في فترات الانتقال التاريخي، ويفتح المجال أمام باحثين آخرين لتوسيع النقاش الأكاديمي حول الظواهر غير الرسمية التي أسهمت في صياغة التاريخ الوطني.
المصدر: وكالات
