بعد فترة من التوتر وتصاعد الأعمال العدائية، تتجه دول الخليج نحو استكشاف آليات قانونية لتعويض الأضرار الناجمة عن الهجمات الإيرانية المتكررة. وتسعى هذه الدول إلى تحميل إيران مسؤولية الخسائر المادية والبشرية التي تكبدتها نتيجة الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية ومدنية خلال الفترة من 28 فبراير إلى 10 أبريل 2026، مع التركيز على المطالبة بتعويضات، خاصة من قطر والإمارات، وضمان عدم تكرار هذه الاعتداءات مستقبلاً. وتعتبر قضية التعويضات من إيران من القضايا المحورية التي تشغل بال دول المنطقة.
وقد شهدت المنطقة تصعيداً خطيراً، حيث نفذت إيران ما لا يقل عن 6122 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى هجوم بمقاتلتين، ضد دول الخليج الست خلال 41 يوماً. وأظهرت الإحصائيات الرسمية أن الإمارات كانت الأكثر تضرراً، حيث تعرضت لـ 563 صاروخاً و2256 طائرة مسيّرة، تلتها الكويت بـ369 صاروخاً و848 مسيّرة. كما تعرضت قطر والبحرين والسعودية وعُمان لهجمات متفاوتة.
حجم الخسائر الاقتصادية والبشرية
تسببت الهجمات الإيرانية في أضرار جسيمة للبنية التحتية الحيوية في دول الخليج. فقد استهدفت الهجمات مطارات وموانئ ومنشآت للطاقة، بما في ذلك مجمع الجبيل للبتروكيماويات في السعودية، وهو الأكبر من نوعه في العالم. وتشير التقديرات إلى خسائر مالية باهظة، حيث كشف الرئيس التنفيذي لشركة “قطر للطاقة” عن خسارة إيرادات سنوية تقدر بـ 20 مليار دولار من منشآت مدينة رأس لفان الصناعية المتضررة. كما تتوقع قطر خسارة 12.8 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، وهو ما يمثل 17% من صادراتها من الغاز الطبيعي المسال.
تأثير العدوان على الاستقرار الإقليمي
ألقى هذا التصعيد بظلاله على أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي. وعلى الرغم من دخول هدنة بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ في 7 أبريل 2026، إلا أن 5 دول خليجية تعرضت للاستهداف بـ 141 صاروخاً ومسيرة في اليوم الأول من الهدنة، واستمرت الهجمات في اليوم التالي. وتؤكد دول الخليج أن الاستهدافات طالت منشآت مدنية وحيوية، مما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
الأسس القانونية للمطالبة بالتعويضات
تستند المطالبات بالتعويضات إلى مبادئ القانون الدولي، وخاصة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 لعام 1974، الذي يعتبر قصف المنشآت المدنية عملاً عدوانياً. وبموجب قواعد القانون الدولي، فإن الدولة المعتدية ملزمة بتعويض كامل عن الأضرار المادية والمعنوية التي تسبب بها. وقد تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مشروع قرار يدين الاعتداءات الإيرانية ويطالب طهران بوقف عدوانها وتقديم تعويضات.
آليات المطالبة بالتعويضات
تدرس دول الخليج عدة آليات قانونية للمطالبة بالتعويضات. تشمل هذه الآليات اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، أو مجلس الأمن الدولي، أو التحكيم الدولي. ويرى خبراء قانونيون أنه يمكن إنشاء لجنة دولية بإشراف الأمم المتحدة لتقييم حجم التعويضات، على غرار تجربة تعويضات العراق للكويت بعد الغزو عام 1990. ويؤكد أستاذ القانون الدولي في جامعة الكويت، عبد الرحمن الوعلان، على ضرورة إثبات أركان المسؤولية الدولية، بما في ذلك وجود فعل غير مشروع ناتج عن إيران، وإثبات الضرر الذي لحق بدول الخليج.
التعويضات من إيران تتطلب إثباتاً واضحاً لنسبة الأفعال إلى إيران، وأنها أفعال غير مشروعة وفق قواعد القانون الدولي. كما يجب إثبات الأضرار التي لحقت بدول الخليج بشكل واضح. ويشير الوعلان إلى أن استهداف المنشآت الحيوية والمباني المدنية يعد خرقاً للقانون الدولي، وأن دول الخليج لديها الحق في المطالبة بتعويض جابر لهذه الخسائر.
التحديات والخطوات المستقبلية
على الرغم من وجود أسس قانونية قوية للمطالبة بالتعويضات، إلا أن تحقيق ذلك قد يواجه تحديات سياسية وقانونية. وتعتمد عملية التعويض على الضغط الدولي، والتعاون بين دول الخليج، والالتزام من قبل إيران بتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه. من المتوقع أن تستمر دول الخليج في تحركاتها الدبلوماسية والقانونية لتعزيز مطالبها بالتعويضات. كما من المرجح أن يتم تشكيل لجان فنية لتقييم حجم الأضرار وتقديم تقديرات دقيقة للتعويضات المطلوبة.
من المرجح أن تشهد الأشهر القادمة مزيداً من المشاورات بين دول الخليج والأمم المتحدة بشأن آليات المطالبة بالتعويضات. كما من المتوقع أن يتم تقديم مقترحات محددة إلى مجلس الأمن الدولي لتنظيم عملية التعويض. وستظل قضية التعويضات من إيران قضية محورية في المنطقة، وستؤثر على العلاقات الإقليمية والاستقرار المستقبلي.
