تصاعدت التوترات الإقليمية في يناير 2026 مع لهجة حادة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه طهران، ودعوته الصريحة للمحتجين الإيرانيين لتحدي سلطة النظام. يأتي هذا في ظل نشاط دبلوماسي مكثف وغير معلن من قبل دول الخليج، بهدف احتواء الأزمة الإيرانية المتفاقمة ومنع انتقالها إلى مواجهة عسكرية قد تهدد أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.
تهدف هذه التحركات الدبلوماسية، وفقًا لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، إلى منع أي تصعيد قد يؤثر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحنات النفط العالمية، وعلى برامج التحول الاقتصادي الخليجية. تحافظ معظم دول الخليج على موقف متحفظ في التصريحات العلنية، بينما ترسل رسائل خاصة تحذر من التداعيات المحتملة لأي تصعيد.
تصعيد ترامب والاحتجاجات الإيرانية
صعد الرئيس ترامب من لهجته بشكل ملحوظ، متوعدًا النظام الإيراني في حال قمع الاحتجاجات التي اندلعت في أواخر ديسمبر 2025 على خلفية أزمة اقتصادية متزايدة. وقد اتسعت رقعة الاحتجاجات في يناير 2026 لتشمل مدنًا متعددة، مصحوبة بتصعيد أمني وقيود على الوصول إلى الإنترنت في 9 يناير.
تحدثت منظمات حقوقية عن سقوط آلاف القتلى نتيجة عمليات القمع، مع تداول صور لمشاهد مروعة في مرافق طبية قرب طهران تظهر جثثًا ملفوفة بأكفان. في المقابل، تشير وسائل إعلام إيرانية إلى أن عدد القتلى بالمئات، ومعظمهم من قوات الأمن.
بعد ذلك، دعا ترامب المحتجين إلى مواجهة النظام والسيطرة على مؤسسات الدولة، مؤكدًا في منشور عبر منصة “تروث سوشال” (13 يناير) أن “المساعدة في الطريق”، وهو ما فُهم على نطاق واسع كإشارة إلى أن الخيارات الأمريكية تتجاوز الدعم السياسي والإعلامي لتشمل إجراءات أكثر تصادمية. وأكد مسؤول في البيت الأبيض أن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”، بينما أشارت تقديرات صحفية أمريكية إلى وجود سلة من الخيارات تشمل ضربات لمواقع تابعة للنظام، وهجمات سيبرانية، وعقوبات جديدة، وتعزيز أدوات التأثير في الفضاء الرقمي المرتبط بالمعارضة.
الحراك الدبلوماسي الخليجي
وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، كثفت عدة دول خليجية، بقيادة السعودية، تحركاتها الدبلوماسية خلف الكواليس لحث إدارة ترامب على عدم توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، محذرة من تداعيات واسعة على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة والاقتصاد الأمريكي. وأبلغت السعودية وقطر وعُمان البيت الأبيض أن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني بالقوة قد تؤدي إلى اضطراب حاد في أسواق النفط وتأثير سلبي على الاقتصاد العالمي.
كما أضاف التقرير أن إدارة ترامب لم توضح حتى الآن طبيعة التحرك العسكري المحتمل ضد طهران، لكنها أبلغت حلفاءها في المنطقة بضرورة الاستعداد لسيناريوهات مختلفة. وأكد مسؤولون أمريكيون أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة أمام الرئيس. وتخشى دول الخليج بشكل خاص من تعطيل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.
وأبلغ مسؤولون سعوديون طهران بشكل مباشر أن الرياض لن تشارك في أي صراع محتمل، ولن تسمح باستخدام أجوائها في أي عمليات عسكرية، في محاولة للابتعاد عن المواجهة وتقليص احتمالات الرد الإيراني داخل المنطقة. تدرك دول الخليج، على الرغم من خلافاتها مع إيران، المخاطر المحتملة لسيناريو الفوضى في حال سقوط النظام، وما قد يترتب عليه من صعود قوى أكثر تشدداً أو تفكك داخلي ينعكس أمنياً على دول الجوار.
مستقبل الأزمة الإيرانية
دعا رئيس الوزراء القطري الأسبق، حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، إلى تبني موقف خليجي موحد لمحاولة إقناع واشنطن بالدخول في مباحثات مع إيران لإنهاء التوتر القائم، مؤكدًا على ضرورة الحوار لتجنب التصعيد. وأشار إلى أن أي عمل عسكري ضد إيران لن يخدم مصالح أصدقاء أمريكا في المنطقة ولن يعزز الاستقرار الإقليمي.
القاسم المشترك في الرسائل الخليجية إلى واشنطن هو القلق الاقتصادي، حيث أن أي مواجهة مع إيران قد تهدد حركة الملاحة في مضيق هرمز، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات مباشرة على التضخم العالمي. ولا يقتصر الخطر على النفط وحده، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد والتأمين والشحن، حيث يكفي ارتفاع مستوى المخاطر لرفع كلفة التجارة والطاقة.
من المتوقع أن تستمر الجهود الدبلوماسية الخليجية خلال الأيام القادمة لإقناع الإدارة الأمريكية بتبني مسار تفاوضي مع إيران. ومع ذلك، يبقى مستقبل الأزمة الإيرانية غير مؤكدًا، ويتوقف على مدى استعداد واشنطن للاستماع إلى مخاوف حلفائها في الخليج، وعلى تطورات الوضع على الأرض في إيران. يجب مراقبة تطورات الوضع الأمني في إيران، وردود فعل النظام الإيراني على الضغوط الأمريكية، ومواقف القوى الإقليمية والدولية الأخرى، لتقييم السيناريوهات المحتملة للأزمة.
