تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال صناعة اللقاحات، وذلك في إطار رؤية المملكة 2030 لتعزيز الأمن الصحي والاقتصادي. يأتي هذا التحرك مدفوعاً بتجربة جائحة كوفيد-19 التي أبرزت أهمية وجود صناعة دوائية محلية قادرة على تلبية الاحتياجات الوطنية في الظروف الاستثنائية، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد العالمية.
أكدت وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية استعدادها لإطلاق منصة وطنية متخصصة في صناعة اللقاحات، تعتمد على نموذج التطوير والتصنيع التعاقدي (CDMO). ويهدف هذا المشروع إلى بناء قدرات محلية مستدامة في الصناعات الدوائية، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص عمل متخصصة.
توطين صناعة اللقاحات: خطوة نحو الأمن الدوائي
يمثل سعي السعودية لتوطين صناعة اللقاحات تحولاً استراتيجياً في قطاع الصحة، حيث تسعى المملكة إلى أن تصبح لاعباً رئيسياً في هذا المجال الحيوي. وقد كشفت الجائحة عن التحديات المرتبطة بالاعتماد على الاستيراد، مما دفع صانعي القرار إلى إعطاء الأولوية لتطوير الصناعات الدوائية المحلية.
أشار المتحدث الرسمي لوزارة الصناعة والثروة المعدنية، جراح الجراح، إلى أن هذه المنصة جاءت استجابة لحاجة استراتيجية، وهي أحد مخرجات لجنة صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية (399) التي تأسست عقب الجائحة. وتهدف المنصة إلى تمكين الشركات المحلية والعالمية من إنتاج اللقاحات داخل المملكة، مع التركيز على نقل التكنولوجيا وتوسيع قاعدة الإنتاج.
أهداف المنصة الوطنية لصناعة اللقاحات
تتمثل الأهداف الرئيسية للمنصة في تحقيق التكامل في سلسلة التصنيع بأكملها، بدءاً من تحضير المكونات الدوائية الأساسية وصولاً إلى التعبئة والتغليف. بالإضافة إلى ذلك، تسعى المنصة إلى تطوير القدرات البحثية والتطويرية في مجال اللقاحات، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.
وتركز الجهود على بناء سلسلة إنتاج وطنية متكاملة تتجاوز مجرد تجميع المنتجات المستوردة، وتساهم في تحقيق الاستقلالية الصحية للمملكة. ويشمل ذلك إبرام عقود التزام مع مصنّعي اللقاحات لضمان استمرارية الإنتاج والقدرة على المنافسة.
الفوائد المتوقعة من التوطين
لا تقتصر فوائد توطين صناعة اللقاحات على الجوانب الاقتصادية والأمنية فحسب، بل تمتد إلى تحسين جودة الخدمات الصحية وتقليل مخاطر نقص الإمدادات في أوقات الأزمات. بالإضافة إلى ذلك، سيسهم توطين الإنتاج في تعزيز وقاية المجتمع من الأمراض المعدية من خلال توفير لقاحات عالية الجودة.
وتستند هذه المبادرة إلى تقارير تشير إلى أن تصنيع اللقاحات محلياً يقلل من التكاليف بشكل كبير، ويضمن توافرها في الوقت المناسب، ويعزز الاستعداد للأوبئة المستقبلية. ويتماشى ذلك مع جهود المملكة لتنويع اقتصادها وتعزيز الإنتاج الوطني، وفقاً لرؤية 2030.
وخلال ملتقى الصحة العالمي الذي عُقد في الرياض، أُعلن عن تأسيس تحالف لإدارة المنصة، يضم شركة لايفيرا التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، وشركة جمجوم للصناعات الدوائية، بالإضافة إلى مشغل عالمي متخصص.
نقل المعرفة وتقليل الاعتماد على الاستيراد
يعمل التحالف الصناعي السعودي على توقيع اتفاقيات لتبادل المعرفة بين الشركات المحلية والمختبرات العالمية، بهدف تسريع وتيرة التوطين والارتقاء بالقطاع إلى مستوى التنافس الدولي. هذه الخطوة لا تقتصر على نقل التقنية فحسب، بل تمتد إلى تطوير الكفاءات المحلية في مجال البحث والتطوير.
يرى الخبراء أن تصنيع اللقاحات محلياً يمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأمد، يعزز الأمن الصحي ويساهم في بناء اقتصاد متنوع ومستدام. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يقلل من الاعتماد على الاستيراد الذي استمر لعقود طويلة، ويفتح آفاقاً جديدة للنمو والابتكار.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور عبد الرؤوف المناعمة، أستاذ علم الميكروبات، أن تطوير صناعة اللقاحات يساهم في خفض كلفة الرعاية الصحية، وتعزيز القدرات البحثية الوطنية، وتوفير فرص عمل نوعية. وأشار إلى أن التصنيع المحلي يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الصحي الوطني، خاصة في مواجهة الأوبئة المستقبلية.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة توقيع المزيد من الشراكات والاتفاقيات بين الشركات السعودية والعالمية في مجال صناعة اللقاحات. وستركز الجهود على تطوير البنية التحتية، ونقل التقنية، وتدريب الكوادر الوطنية. ويرى المحللون أن نجاح هذه المبادرة يعتمد على الالتزام بمعايير الجودة العالمية، ومواجهة المنافسة الدولية، والتعامل مع تحديات سلاسل الإمداد.
