تصاعد التوترات في الشرق الأوسط مع استمرار التحركات العسكرية الأمريكية وتصريحات مسؤوليها، في ظل مخاوف متزايدة من مواجهة محتملة مع إيران. وقد أكدت كل من الإمارات والسعودية رفضها القاطع السماح باستخدام أراضيها كمنصة لشن هجمات على إيران، مما يعكس حرص دول الخليج على تجنب الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع. هذا الموقف الخليجي يضع واشنطن أمام تحدٍ جديد في سياستها تجاه طهران.
فمنذ أيام، تشهد المنطقة حشدًا عسكريًا أمريكيًا هو الأوسع منذ يونيو 2025، تزامنًا مع تصريحات متصاعدة من مسؤولين أمريكيين، بما في ذلك الرئيس دونالد ترامب، حول إمكانية تدخل عسكري ضد إيران. وقد أثارت هذه التطورات مخاوف بشأن استقرار المنطقة وتداعياتها المحتملة على دول الخليج.
التصعيد الأمريكي والرد الخليجي
في 26 يناير 2026، صرح قائد القيادة الوسطى الأمريكية، براد كوبر، باحتمالية تنفيذ “عملية قصيرة وسريعة ونظيفة” ضد إيران، بالتزامن مع مناورات عسكرية واسعة النطاق. هذه التصريحات، بالإضافة إلى وصول حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” إلى المنطقة، تعكس تحولًا في الخطاب الأمريكي من التحذير إلى التلويح بالقوة. وفي مقابلة مع موقع “أكسيوس”، حث الرئيس ترامب إيران على إبرام اتفاق جديد، وهدد بأن عدم التوصل إلى اتفاق قد يؤدي إلى هجوم “سيئ جدًا”.
في المقابل، أعلنت كل من السعودية والإمارات رفضها القاطع السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها الإقليمية في أي عمل عسكري ضد إيران. أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن المملكة لن تسمح بذلك، كما أكدت الإمارات التزامها بعدم تقديم أي دعم لوجستي في هذا الإطار. هذا الموقف يعكس أولوية دول الخليج للحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتجنب الانجرار إلى صراع مدمر.
مواقف دولية ودبلوماسية
بالتزامن مع هذه التطورات، أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن اعتقاده بأن أيام النظام الإيراني “باتت معدودة”، في إشارة إلى الضغوط المتزايدة على طهران. وفي سياق دبلوماسي، أكد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، دعم بلاده لجهود خفض التصعيد والحلول السلمية في المنطقة، خلال اتصالات مع مسؤولين إيرانيين.
كما تعهدت أبوظبي بعدم تقديم أي دعم لوجستي لأي عمل عسكري ضد إيران، مع التشديد على أن الحوار هو السبيل الأمثل لمعالجة الأزمات. وتأتي هذه المواقف في إطار جهود دبلوماسية مكثفة تقودها دول خليجية، بما في ذلك السعودية وقطر وعمان، لإقناع الإدارة الأمريكية بعدم المضي في خيار الضربة العسكرية، وفقًا لتقرير نشره موقع “وول ستريت جورنال”.
تداعيات محتملة على المنطقة
إن رفض دول الخليج السماح باستخدام أراضيها في أي هجوم على إيران يمثل قيدًا كبيرًا على خيارات واشنطن، ويرفع الكلفة السياسية والإقليمية لأي عمل عسكري. كما أن أي رد إيراني محتمل على الضربات الأمريكية قد يستهدف القواعد أو البنية التحتية الحيوية لحلفاء واشنطن في المنطقة، مما قد يؤدي إلى تصعيد خطير.
بالإضافة إلى ذلك، فإن أي توتر إضافي في المنطقة قد يؤثر سلبًا على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، خاصة وأن مضيق هرمز يمثل نقطة عبور حيوية لشحنات النفط العالمية.
الاستقرار الإقليمي كأولوية
من وجهة نظر قانونية وسياسية، تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي الحق الكامل في رفض استخدام أراضيها في أي عمل عسكري لا يخدم أمنها القومي، وفقًا للدكتور محمد العريمي، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية. وأشار العريمي إلى أن دول الخليج تدرك أن الانخراط في صراع إقليمي واسع النطاق سيجعلها في مرمى تداعياته دون أن تكون صاحبة القرار.
ويرجح أن تتجه دول الخليج إلى تحييد نفسها استراتيجيًا، عبر مواقف سياسية واضحة بعدم المشاركة، وتكثيف القنوات الدبلوماسية مع واشنطن لضبط سقف أي عمل عسكري ضد طهران. كما ستسعى إلى تعزيز التنسيق الخليجي الجماعي، وحماية المنشآت الحيوية، ورفع مستوى الجاهزية الدفاعية.
في الختام، يظل الوضع في الشرق الأوسط متوترًا للغاية، مع استمرار التهديدات المتبادلة والتحركات العسكرية. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيدًا من الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد وتجنب الانزلاق إلى صراع واسع النطاق. ومع ذلك، فإن مستقبل المنطقة لا يزال غامضًا، ويتوقف على مدى قدرة الأطراف المعنية على إيجاد حلول سلمية للأزمات القائمة.
