يمثل الملف الأمني في اليمن أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمملكة العربية السعودية، الداعم الرئيسي لها. كشف التفجير الذي استهدف قيادياً عسكرياً في عدن في 21 يناير عن مدى تعقيد هذا الملف، خاصةً بعد التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية. يثير هذا الحادث تساؤلات حول دوافعه وتوقيته، وما إذا كان يهدف إلى تقويض جهود الحكومة والتحالف بقيادة السعودية لتحقيق الاستقرار.
تزامن الهجوم مع ترتيبات مشتركة بين الحكومة اليمنية والسعودية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وإخراج التشكيلات المسلحة من المدن. هذه الخطوات تهدف إلى معالجة حالة الفوضى الأمنية التي عانت منها اليمن لسنوات طويلة، وتعزيز سلطة الدولة المركزية. العملية الإرهابية، التي أوقعت ضحايا، تأتي في وقت حرج تسعى فيه الأطراف اليمنية والدولية إلى إيجاد حلول سياسية وأمنية مستدامة.
تأكيد على أهمية الملف الأمني
أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، خلال لقائه مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية، أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء دولة ذات سيادة قادرة على مواجهة الإرهاب. وأشار إلى أن غياب الوصاية الأمنية ليس هو المشكلة الأساسية، بل هو استكمال بناء مؤسسات الدولة القادرة على حماية البلاد. هذا التصريح يعكس إدراكاً عميقاً لضرورة معالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار في اليمن.
موقف الحكومة اليمنية
عبّر العليمي عن استغرابه من بعض التصريحات التي تروج لفكرة “الفراغ الأمني” بعد انسحاب قوات معينة، مؤكداً أن مؤسسات الدولة قد حققت تقدماً ملحوظاً في توحيد القرار الأمني والعسكري. وأضاف أن الهجوم الإرهابي الأخير يأتي في سياق محاولات لعرقلة هذا المسار، وأن ازدواجية القرار الأمني وتعدد الولاءات قد ساهمت في تغذية الإرهاب بدلاً من مكافحته. وشدد على أهمية إنهاء السجون غير القانونية ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وبناء منظومة أمنية وطنية موحدة.
العميد حمدي شكري، القيادي المستهدف، كان يلعب دوراً محورياً في تثبيت الأوضاع الأمنية وإعادة توزيع القوات وتنفيذ قرارات الدولة بإخراج التشكيلات المسلحة من المدن. هذا الاستهداف يحمل رسائل تتجاوز البعد الأمني إلى البعد السياسي، ويشير إلى محاولات لإعادة إحياء النزاعات الداخلية.
توالت بيانات الإدانة من مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، بالإضافة إلى بيان صادر عن تحالف دعم الشرعية، الذي تعهد بالضرب بيد من حديد ضد كل من يسعى لزعزعة الاستقرار. وأكد التحالف استمرار دعمه للجهود اليمنية في ملاحقة المتورطين وتقديمهم للعدالة.
تطورات خطيرة في المشهد الأمني
يأتي هذا التفجير في خضم مساعي الحكومة اليمنية والسعودية لإعادة ضبط المشهد الأمني في عدن والمحافظات الجنوبية والشرقية. وتشمل هذه المساعيع توحيد القوات تحت مظلة الدولة، بإشراف اللجنة العسكرية العليا التي تشكلت مؤخراً. وقد شهدت الأسابيع الماضية خطوات مهمة في هذا الاتجاه، مثل إخراج التشكيلات المسلحة من حضرموت والمهرة وشبوة.
تشير التقارير إلى تحسن ملحوظ في الخدمات والأمن بالتوازي مع هذه الإجراءات، مما يؤكد أن وجود الدولة هو الضامن الفعلي للاستقرار ومكافحة التطرف. ومع ذلك، لا يزال الوضع الأمني هشاً، وهناك مخاوف من تصعيد العنف في الفترة القادمة.
ترافق هذه التطورات مع خطاب إعلامي سعودي يرى في الهجوم محاولة لعرقلة مسار الدعم السعودي لليمن، عبر استخدام ورقة الإرهاب، خاصةً بعد تراجع النفوذ الإماراتي. وقد استدل مراقبون بتصريحات أدلى بها قياديون سابقون، تشير إلى عودة الإرهاب في جنوب وشرق اليمن.
تحليل الخبراء
يرى الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني، العميد محمد عبد الله الكميم، أن التفجير الأخير هو أحد السيناريوهات المتوقعة في ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها اليمن. وأشار إلى أن هذه التفجيرات تُعد إحدى أدوات التعطيل التي تستخدمها بعض الأطراف لإعاقة جهود الحكومة والتحالف.
وأكد الكميم أن الملف الأمني هو الأولوية القصوى في هذه المرحلة، وأن توحيد القوات العسكرية والأمنية هو الأساس لبناء الدولة اليمنية. وأضاف أن المستفيد الرئيسي من هذه العمليات هو مليشيات الحوثي والمجلس الانتقالي الجنوبي، اللذين يسعيان إلى إبقاء اليمن في حالة فوضى.
وختم الكميم حديثه بالقول إن تحقيق الاستقرار والأمن في اليمن يتطلب جهوداً مشتركة من جميع الأطراف، وأن الدعم الدولي ضروري لمساعدة اليمن على تجاوز هذه المرحلة الصعبة.
من المتوقع أن تستمر الجهود الرامية إلى توحيد القوات الأمنية والعسكرية في اليمن خلال الأسابيع القادمة. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة، مثل تعدد الولاءات وغياب الثقة بين الأطراف المختلفة. وسيكون من الضروري مراقبة تطورات الوضع الأمني عن كثب، وتقييم مدى نجاح هذه الجهود في تحقيق الاستقرار المنشود.
