أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية عن إطلاق منصة وطنية لصناعة اللقاحات، في خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن الصحي للمملكة وتوطين الصناعات الدوائية الحيوية. يأتي هذا الإعلان في أعقاب جائحة كوفيد-19، التي أبرزت أهمية وجود قدرات تصنيعية محلية قادرة على الاستجابة السريعة للأزمات الصحية. وتعتمد المنصة على نموذج التطوير والتصنيع التعاقدي (CDMO) لدعم نقل التقنية وتوسيع الإنتاج المحلي.
توطين صناعة اللقاحات: استجابة استراتيجية
أكد المتحدث الرسمي لوزارة الصناعة والثروة المعدنية، جراح الجراح، أن إنشاء هذه المنصة يمثل استجابة لحاجة استراتيجية كشفتها الجائحة. وأضاف أن المنصة هي أحد مخرجات لجنة صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية (399)، التي تأسست بهدف تعزيز الجاهزية الوطنية لمواجهة الأوبئة والأزمات الصحية. تهدف هذه الخطوة إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد في مجال الأدوية واللقاحات، وتعزيز الاكتفاء الذاتي.
نموذج CDMO ومرونته
يتميز نموذج التطوير والتصنيع التعاقدي (CDMO) بالمرونة التي تتيح للشركات المحلية والعالمية المالكة للتقنيات الحيوية التصنيع داخل المملكة العربية السعودية. وبحسب الوزارة، فإن هذا النموذج يدعم نقل التقنية وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، مما يساهم في بناء قدرات مستدامة في الصناعات الدوائية. يُعد هذا النموذج حيوياً لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع الدوائي.
شراكة استراتيجية لإدارة المنصة
أُعلن خلال ملتقى الصحة العالمي عن تشكيل تحالف يتولى بناء وإدارة المنصة الوطنية لصناعة اللقاحات. يتكون هذا التحالف من شركة لايفيرا، وهي إحدى استثمارات صندوق الاستثمارات العامة، وشركة جمجوم للصناعات الدوائية، بالتعاون مع مطور ومشغل عالمي متخصص في هذا المجال. تُظهر هذه الشراكة التزام المملكة بتطوير قطاع الأدوية واللقاحات بالتعاون مع القطاع الخاص والجهات المتخصصة.
عقود الالتزام (Offtake Agreements) والاستدامة
أشار الجراح إلى أن استدامة المشروع تعتمد بشكل كبير على إبرام عقود التزام (offtake agreements) مع مصنّعي اللقاحات. يجب أن تتوافق هذه العقود مع فترات نقل التقنية لضمان استمرار الإنتاج وتطويره. تعتبر هذه العقود ضرورية لتوفير قاعدة طلب مستقرة للمنتجات المصنعة محلياً.
أولويات الإنتاج والتكامل في سلسلة التصنيع
في المرحلة الأولى، ستركز المنصة على إنتاج اللقاحات المدرجة ضمن البرنامج الوطني للقاحات والمعتمدة من وزارة الصحة. يهدف هذا التركيز إلى تلبية الاحتياجات الصحية الأساسية للمواطنين والمقيمين. بالإضافة إلى ذلك، تسعى المنصة إلى تحقيق تكامل كامل في سلسلة التصنيع، بدءًا من تحضير المكونات الدوائية وصولاً إلى التعبئة والتغليف. تتطلع المنصة أيضاً إلى التوسع مستقبلاً نحو تصنيع المكونات الأساسية للاللقاحات، مما سيعزز الاكتفاء الذاتي بشكل أكبر.
تأتي هذه المبادرة في سياق جهود المملكة لتعزيز القدرات المحلية في مجال تصنيع الأدوية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يتماشى مع مستهدفات توطين الصناعات الحيوية ورؤية المملكة الصحية طويلة المدى. كما تدعم هذه الخطوة جهود المملكة لتصبح مركزاً إقليمياً لصناعة اللقاحات والأدوية.
من المتوقع أن تبدأ المنصة عملياتها الإنتاجية خلال الفترة القادمة، مع التركيز على بناء القدرات وتطوير الكفاءات المحلية. وستراقب وزارة الصناعة والثروة المعدنية عن كثب تقدم المشروع، وتقييم تأثيره على الأمن الصحي والاقتصاد الوطني. يبقى التحدي الأكبر هو ضمان استمرارية عقود الالتزام (offtake agreements) وتوفير التمويل اللازم لتطوير المنصة وتوسيع نطاق إنتاجها.
