تشهد دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً اقتصادياً كبيراً مدفوعاً بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى المنطقة إلى تنويع مصادر دخلها وتقليل الاعتماد على النفط. وقد تجاوزت هذه الدول مرحلة التخطيط النظري، وبدأت في تنفيذ مشاريع استراتيجية تهدف إلى جعلها لاعباً محورياً في مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي. وتستثمر هذه الدول بشكل متزايد في البنية التحتية الرقمية، وتطوير المواهب المحلية، وجذب الشركات العالمية المتخصصة في هذا المجال.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الاستثمارات قد تضيف ما يصل إلى 320 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج بحلول عام 2030، مع توقعات بأن تكون السعودية والإمارات وقطر في طليعة هذه التحولات، بفضل رؤيتها الطموحة ومواردها المالية الوفيرة.
تأثير الذكاء الاصطناعي على اقتصاد الخليج
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع واعد، بل أصبح محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي في دول الخليج. وتعمل هذه الدول على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بما في ذلك الطاقة، والرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات المالية، والنقل. وتهدف هذه الجهود إلى زيادة الكفاءة، وتحسين الإنتاجية، وخلق فرص عمل جديدة.
وتستفيد دول الخليج من امتلاكها صناديق سيادية ضخمة، تفوق قيمتها 5 تريليونات دولار، أي ما يمثل حوالي 38% من إجمالي الأصول السيادية العالمية. وتستخدم هذه الصناديق لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في الشركات الناشئة، وجذب الكفاءات العالمية.
وبحسب تقرير صادر عن شركة “زيلا كابيتال” ونشرته “CNN الاقتصادية” في أكتوبر 2025، فإن دول الخليج تخصص أكثر من تريليوني دولار للاستثمار في قطاعات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. وتتوقع التقديرات أن يساهم الذكاء الاصطناعي في زيادة الناتج المحلي للسعودية بحوالي 135.2 مليار دولار بحلول عام 2030، بينما تستهدف الإمارات إضافة أكثر من 96 مليار دولار إلى ناتجها المحلي بحلول عام 2031.
الاستثمارات في البنية التحتية
تعتبر البنية التحتية الرقمية القوية أساساً ضرورياً لتطوير قطاع الذكاء الاصطناعي. وتعمل دول الخليج على بناء مراكز بيانات متطورة، وتوسيع شبكات الجيل الخامس، وتحسين سرعات الإنترنت. وقد أبرمت شركات مثل “أرامكو السعودية” و”أدنوك الإماراتية” شراكات مع شركات عالمية لإنشاء مراكز بيانات جديدة، وتطوير حلول ذكية للطاقة.
وتشير التقارير إلى أن الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية ستخلق فرص عمل جديدة في مجالات مثل هندسة البيانات، وتطوير البرمجيات، والأمن السيبراني. كما ستساهم في جذب المزيد من الشركات العالمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي إلى المنطقة.
التركيز على السيادة التقنية
إلى جانب الجوانب الاقتصادية، تولي دول الخليج أهمية كبيرة للسيادة التقنية، وتسعى إلى امتلاك القدرات اللازمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل. ويتضمن ذلك الاستثمار في البحث والتطوير، وتطوير المواهب المحلية، وإنشاء شركات وطنية متخصصة في هذا المجال. وقد أطلقت دولة قطر شركة “كاي” المتخصصة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بينما تعمل السعودية على تطوير نماذج لغوية عربية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
ويعتبر التركيز على السيادة التقنية خطوة مهمة لضمان الأمن القومي، وحماية البيانات الحساسة، وتعزيز القدرة التنافسية لدول الخليج في السوق العالمية. كما سيساهم في خلق بيئة جاذبة للابتكار، وتشجيع الشركات الناشئة على تطوير حلول ذكية تلبي احتياجات المنطقة.
التحديات والفرص المستقبلية
على الرغم من التقدم الكبير الذي حققته دول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا أنها تواجه بعض التحديات. من بين هذه التحديات، نقص الكفاءات المتخصصة، وارتفاع تكاليف الاستثمار، والمخاطر الأمنية المرتبطة بالبيانات. ومع ذلك، فإن هذه التحديات تأتي مصحوبة بفرص كبيرة، مثل إمكانية تطوير حلول ذكية مبتكرة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وخلق فرص عمل جديدة.
ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن نجاح دول الخليج في تحقيق أهدافها في مجال الذكاء الاصطناعي يعتمد على قدرتها على التغلب على هذه التحديات، والاستفادة من الفرص المتاحة. ويتطلب ذلك اتخاذ سياسات حكومية داعمة، والاستثمار في التعليم والتدريب، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.
ومن المتوقع أن تشهد دول الخليج المزيد من الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي في السنوات القادمة، مع التركيز على تطوير تطبيقات ذكية في مجالات مثل الطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، والمدن الذكية. كما من المتوقع أن تشهد المنطقة نمواً كبيراً في عدد الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، مما سيساهم في تعزيز الابتكار وخلق فرص عمل جديدة.
في الختام، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية لدول الخليج لتحقيق تحول اقتصادي شامل، وتعزيز مكانتها على الساحة العالمية. ومع ذلك، يتطلب ذلك بذل جهود متواصلة، واتخاذ قرارات استراتيجية، والاستعداد لمواجهة التحديات المستقبلية. ومن المتوقع أن تشهد المنطقة تطورات متسارعة في هذا المجال خلال العامين القادمين، مع التركيز على تطوير البنية التحتية، وجذب الكفاءات، وتعزيز التعاون الدولي.
