أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن استراتيجية دفاع وطنية جديدة لعام 2026، تركز على حماية المصالح الأمريكية في الداخل وخارجها، مع إعادة تقييم الأولويات في مناطق مثل الشرق الأوسط. وتضع هذه الاستراتيجية دول الخليج في موقع محوري كشركاء أساسيين في الحفاظ على الأمن الإقليمي، مع التأكيد على ضرورة تحمل هذه الدول لمزيد من المسؤولية في الدفاع عن نفسها. هذا التحول في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية يمثل نقطة تحول في العلاقات مع حلفاء تقليديين، ويفرض واقعًا جديدًا يتطلب التكيف والتعاون.
تأتي هذه الاستراتيجية في ظل متغيرات جيوسياسية متسارعة، وتحديات أمنية متزايدة، بما في ذلك التنافس مع الصين والتهديدات الإرهابية المستمرة. ووفقًا للبنتاغون، فإن التركيز الرئيسي سيكون على ردع الصين في المحيط الهادئ، وحماية النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، بينما سيتم التعامل مع الشرق الأوسط من خلال تمكين الحلفاء المحليين وتقاسم الأعباء الأمنية.
تغيير الأولويات في الشرق الأوسط
تشير الاستراتيجية الجديدة إلى أن الشرق الأوسط لم يعد يشكل محورًا رئيسيًا للانخراط العسكري المباشر للولايات المتحدة، كما كان الحال في العقود السابقة. وبدلاً من ذلك، ستركز واشنطن على دعم حلفائها في المنطقة من خلال توفير المساعدة العسكرية والاستخباراتية، مع تشجيعهم على تولي مسؤولية الأمن بأنفسهم. هذا التحول يعكس رغبة أمريكية في تقليل التكاليف البشرية والمادية للتدخلات العسكرية في المنطقة، والتركيز على التحديات الأكثر إلحاحًا في أماكن أخرى من العالم.
تقاسم الأعباء الأمنية
تؤكد الوثيقة على أن الحلفاء، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، يجب أن يتحملوا جزءًا أكبر من مسؤولية أمنهم. ويشمل ذلك الاستثمار في القدرات الدفاعية الوطنية، وتعزيز التعاون الإقليمي، والمشاركة الفعالة في جهود مكافحة الإرهاب. هذا التوجه يتماشى مع الدعوات المتكررة من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتي طالبت الحلفاء بتحمل المزيد من الأعباء في الدفاع عن مصالحهم المشتركة.
دور إيران و”إسرائيل”
تعتبر الاستراتيجية الجديدة إيران قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة، وتدعو إلى ردع أنشطتها الخبيثة. ومع ذلك، فإن التعامل مع إيران لن يكون مهمة أمريكية منفردة، بل سيتطلب تعاونًا وثيقًا مع الحلفاء الإقليميين. في المقابل، تُشاد الاستراتيجية بالشراكة مع “إسرائيل”، وتعتبرها حليفًا استراتيجيًا مهمًا في الحفاظ على الأمن الإقليمي. ويشير ذلك إلى استمرار الدعم الأمريكي لـ”إسرائيل”، مع التركيز على تعزيز قدراتها الدفاعية.
بالإضافة إلى ذلك، تشير الاستراتيجية إلى أهمية تعزيز الأمن البحري في المنطقة، وحماية خطوط الملاحة الحيوية. وهذا يتطلب تعاونًا وثيقًا مع دول الخليج، التي تقع على طول مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لتصدير النفط.
تداعيات الاستراتيجية على دول الخليج
تفرض الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة على دول الخليج إعادة تقييم سياساتها الأمنية، وتطوير قدراتها الدفاعية لمواجهة التحديات المتزايدة. ويتطلب ذلك استثمارات كبيرة في المعدات العسكرية والتدريب، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الإقليمي. من المتوقع أن تشهد المنطقة زيادة في الإنفاق العسكري، وتنافسًا بين الدول على اقتناء أحدث الأسلحة والتكنولوجيا.
تعتبر القدرة على مواجهة التهديدات الجوية والبحرية من أهم الأولويات لدول الخليج، نظرًا لاعتمادها الكبير على النفط والتجارة البحرية. كما أن تعزيز الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب يمثلان تحديين رئيسيين يتطلبان جهودًا متواصلة.
بالإضافة إلى ذلك، قد تسعى دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الأمنية، والبحث عن بدائل للضمانات الأمنية الأمريكية. ويتضمن ذلك تعزيز العلاقات مع دول أخرى، مثل الصين وروسيا، التي تسعى إلى زيادة نفوذها في المنطقة. هذا التوجه قد يؤدي إلى تغيير في ميزان القوى في المنطقة، وزيادة التنافس بين القوى الكبرى.
تعتبر قضية البرنامج النووي الإيراني من أهم التحديات التي تواجه دول الخليج. وتدعو الاستراتيجية الجديدة إلى ردع إيران عن تطوير أسلحة نووية، ومنعها من زعزعة الاستقرار في المنطقة. قد يتطلب ذلك اتخاذ إجراءات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية، بالتعاون مع الولايات المتحدة وحلفائها الآخرين.
مستقبل التعاون الأمني
من المرجح أن يستمر التعاون الأمني بين الولايات المتحدة ودول الخليج، ولكن في إطار جديد يعكس التغيرات في الأولويات الأمريكية. ستركز واشنطن على توفير الدعم الاستراتيجي والتقني، بينما ستتولى دول الخليج مسؤولية العمليات الأمنية الميدانية. هذا النموذج الجديد قد يكون أكثر استدامة وفعالية، ولكنه يتطلب ثقة متبادلة وتنسيقًا وثيقًا.
في الختام، تمثل الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة لعام 2026 تحولًا كبيرًا في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. من المتوقع أن يؤدي هذا التحول إلى زيادة المسؤولية الأمنية لدول الخليج، وتغيير في ميزان القوى في المنطقة. ستكون السنوات القادمة حاسمة في تحديد كيفية استجابة دول الخليج لهذه التغيرات، وكيف ستتمكن من الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة. من المهم مراقبة التطورات الإقليمية، وخاصةً فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والتعاون الأمني بين دول الخليج، والردود الفعل على هذه الاستراتيجية من قبل القوى الإقليمية والدولية.
