مع استمرار دول الخليج العربي في التطور والنمو، تولي اهتماماً كبيراً بالحفاظ على الحرف التقليدية وتعزيزها كجزء أساسي من الهوية الثقافية. لم تعد هذه الحرف مجرد مهارات يدوية موروثة، بل أصبحت محركاً اقتصادياً وسياحياً واعداً، مدعومة باستراتيجيات تعليمية وتنموية شاملة تهدف إلى ضمان استدامتها للأجيال القادمة.
يشهد الوعي بأهمية التراث الحرفي في دول الخليج زخماً متزايداً، سواءً على المستوى الشعبي أو الرسمي، ما دفع الحكومات الخليجية إلى إطلاق مبادرات متنوعة تشمل المهرجانات والبرامج التعليمية، بهدف حماية هذا الإرث من الاندثار وتعزيز مكانته.
أهمية الحرف التقليدية في الاقتصاد والمجتمع الخليجي
لطالما شكلت الحرف اليدوية عنصراً حيوياً في حياة المجتمعات الخليجية، حيث لم تكن مجرد نشاط ترفيهي أو جانبي، بل جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والاجتماعي. وقد تطورت هذه الحرف عبر الزمن لتلبية احتياجات البيئة المحلية، مستخدمةً المواد الخام المتاحة بطرق مبتكرة.
تتنوع الحرف التقليدية في دول الخليج بشكل كبير، وتشمل السدو (الغزل والنسيج)، والخوصيات (صناعة المنتجات من سعف النخيل)، وصناعة السفن التقليدية، والفخار، والحلي المصنوعة من الذهب والفضة، والعطور والبخور، والدباغة وصناعة الجلود، وصناعة السيوف والخناجر، والتطريز اليدوي، وصناعة المشالح الرجالية. كل حرف من هذه الحرف يحمل قصة وتراثاً فريداً يعكس ثقافة وهوية المنطقة.
دمج التراث في السياسات التعليمية والتنموية
تسعى دول الخليج إلى دمج هذه الحرف في الأنظمة التعليمية والتنموية من خلال عدة طرق. تشمل هذه الجهود إدخال بعض الحرف في مناهج التربية الفنية في المدارس، وتنظيم ورش عمل عملية في القرى التراثية والمراكز الثقافية، وتقديم الدعم المالي والإداري للمشاريع الشبابية التي تدمج التراث في منتجات حديثة، وإطلاق منصات رقمية لتوثيق الحرف وتوفير فرص تعلم عن بعد.
الأهم من ذلك، تحولت الحرف التقليدية إلى فرصة اقتصادية واعدة، حيث يتم تسويق منتجاتها في المتاجر الفاخرة وعرضها في المعارض الدولية. بالإضافة إلى ذلك، تساهم في تعزيز السياحة الثقافية وتوفير فرص عمل للحرفيين المحليين.
مبادرات خليجية لحماية التراث الحرفي
تتبنى دول الخليج مبادرات مختلفة للحفاظ على هذه الحرف وتعزيزها. في سلطنة عمان، أظهرت بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات وجود أكثر من 23 ألف حرفي نشط في البلاد، حيث تتصدر صناعة النسيج القطني قائمة الحرف الأكثر انتشاراً، تليها صناعة النسيج الصوفي وصناعة البخور والتجميل.
أطلقت دولة قطر برنامج “حرفتي” في بيت آل خاطر التراثي، والذي استمر من أكتوبر 2024 إلى يونيو 2025 بهدف تمكين المجتمع من استكشاف الحرف القطرية والإسلامية. وقدم البرنامج دورات تدريبية عملية في مجالات مثل الخزف والأعمال الخشبية والنحت والرسم الزخرفي.
على صعيد آخر، أعلنت المملكة العربية السعودية عن تخصيص عام 2025 ليكون “عام الحرف اليدوية”، كبادرة رسمية لتكريم هذا الإرث الثقافي وتعزيزه. وأكد وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان أن هذه الخطوة تأتي إيماناً بأهمية الحرف في تعزيز الهوية الوطنية ودعماً لمساهمة الحرفيين في الاقتصاد.
في الكويت، حصلت المدينة على لقب “مدينة عالمية لحرفة نسيج السدو” من مجلس الحرف العالمي، بعد تقييم ميداني أكد على جهود الدولة في الحفاظ على هذه الحرفة التقليدية. وصرحت الشيخة بيبي دعيج الصباح، رئيسة جمعية السدو، أن هذا التقدير يعكس عمق التراث الكويتي والتزام البلاد بحمايته وتطويره.
وفي الإمارات العربية المتحدة، يمثل “بيت الحرفيين” في أبوظبي منصة تعليمية وثقافية مهمة، حيث يقدم ورش عمل في الخوص والسدو والعطور والنقش، ويساهم في نقل التراث من جيل إلى آخر.
أما في مملكة البحرين، فيحتضن مركز الجسرة للحرف اليدوية ورش عمل متخصصة في الفخار وصناعة السيوف والخناجر والسلال والعود والسفن والنسيج والتطريز، ويوفر فرصاً للزوار لممارسة هذه الحرف.
التحديات والمستقبل
على الرغم من هذه الجهود، تواجه الحرف التقليدية في الخليج تحديات عديدة، بما في ذلك المنافسة من المنتجات الصناعية الرخيصة، وصعوبة تسويق المنتجات الحرفية في الأسواق المحلية والعالمية. كما يرى بعض الخبراء أن التشابه بين الحرف في دول الخليج قد يقلل من جاذبية المنتجات للسياح.
يؤكد الكاتب البحريني محمد الزكري على أهمية تحديث هذه الحرف بما يتماشى مع متطلبات العصر مع الحفاظ على أصالتها، بالإضافة إلى ضرورة إبراز الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع لتمييز منتجاته وتعزيز هويته.
من المتوقع أن تستمر دول الخليج في دعم الحرف التقليدية وتعزيزها كجزء من استراتيجياتها الثقافية والاقتصادية. وتشير التوقعات إلى زيادة الاستثمارات في هذا القطاع، وتطوير برامج تدريبية للحرفيين، وتنظيم المزيد من المهرجانات والمعارض لعرض منتجاتهم. كما يراقب المختصون التطورات في سياسات حماية حقوق الملكية الفكرية للحرفيين، والتي قد تلعب دوراً هاماً في تعزيز صناعة الحرف اليدوية في المنطقة.
