أطلقت المملكة العربية السعودية رسميًا “جواز سفر الإبل” الرقمي، وهو مبادرة تاريخية تهدف إلى تنظيم قطاع الإبل وتعزيز كفاءة الخدمات المقدمة له. يمثل هذا التدشين نقلة نوعية في إدارة الثروة الحيوانية، ويدعم التحول الرقمي في القطاع، ويضع الإبل، هذا الموروث الثقافي والاقتصادي العريق، في صميم مشروع تنظيمي حديث. جرى الإعلان عن هذه الخطوة الهامة الثلاثاء (3 فبراير 2026) من قبل وزارة البيئة والمياه والزراعة.
تهدف هذه المبادرة إلى ربط بيانات الإبل بمرجع رسمي موحد، مما يضمن الدقة والشفافية وسهولة الإجراءات. تأتي هذه الخطوة ضمن حزمة أوسع من المبادرات التي تهدف إلى تطوير قطاع الإبل، الذي يضم أكثر من مليوني رأس، وعشرات الآلاف من الملاك، ويشكل جزءًا هامًا من الاقتصاد الوطني.
أهمية جواز سفر الإبل: تنظيم القطاع وتعزيز الثقة
يُعرّف جواز سفر الإبل بأنه وثيقة تعريف شاملة تتضمن معلومات أساسية عن كل حيوان، مثل رقم الشريحة الإلكترونية، ورقم الجواز، واسم الإبل، وتاريخ الولادة، والسلالة، والجنس، واللون، ومكان الولادة. بالإضافة إلى ذلك، يتضمن الجواز تاريخ ووجهة الإصدار، وصورًا توثيقية للحيوان، وجدولًا خاصًا بالتحصينات البيطرية المعتمدة.
مكونات جواز سفر الإبل
- رقم الشريحة الإلكترونية ورقم الجواز واسم الإبل.
- تاريخ الولادة والسلالة والجنس واللون ومكان الولادة.
- تاريخ ووجهة الإصدار، وصور توثيقية للحيوان من الجانبين الأيمن والأيسر.
- جدول خاص بالتحصينات، يُسجَّل فيه تاريخ التطعيمات البيطرية معتمداً بتوقيع الطبيب المختص وختمه.
وفقًا لوزارة البيئة والمياه والزراعة، فإن هذه الخطوة تهدف إلى توثيق الملكية بشكل رسمي ودقيق، وحماية حقوق الملاك، والحد من النزاعات. كما تهدف إلى رفع مستوى الشفافية في عمليات البيع والتداول والنقل، وإنشاء سجل صحي موحد للإبل، وتعزيز موثوقية الإبل السعودية في الأسواق المحلية والعالمية.
الأبعاد الاقتصادية للتحول الرقمي في قطاع الإبل
يعكس هذا التوجه تحول المملكة العربية السعودية من الإدارة التقليدية للثروة الحيوانية إلى إدارة رقمية ذكية. يُمكن لهذه الإدارة الذكية من تتبع الأصول الحيوانية، وضبط حركة البيع والنقل، والحد من الممارسات غير النظامية. يُقدر عدد الإبل في المملكة بنحو مليونين و235 ألفاً و297 رأساً، مما يجعل هذا القطاع ذا أهمية اقتصادية كبيرة.
يوفر التحول الرقمي قاعدة بيانات دقيقة تساعد صانعي القرار على التخطيط، ويمنح المستثمرين والمربين ثقة أكبر في السوق. بالإضافة إلى ذلك، يعزز القدرة على تسويق الإبل ومنتجاتها، ويساهم في رفع قيمتها، سواء في المزادات المحلية أو في عمليات التصدير، مستندًا إلى توثيق رسمي معتمد يواكب المعايير الدولية. هذا يعزز من فرص الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
الإبل: أكثر من مجرد ثروة حيوانية
الإبل في المملكة العربية السعودية ليست مجرد رقم في إحصاء أو أصل اقتصادي، بل تشكل جزءًا أصيلاً من الذاكرة الجمعية للمجتمع. تاريخيًا، ارتبطت الإبل بحياة سكان الجزيرة العربية، وكانت رمزًا للصمود في البيئة الصحراوية القاسية، ووسيلة للنقل، ومصدرًا للغذاء، ورفيقًا للإنسان. هذا الارتباط التاريخي انعكس في الأدب والشعر والفنون.
شهد قطاع الإبل في السعودية خلال الأعوام الأخيرة سلسلة من الخطوات التنظيمية والثقافية، بما في ذلك إقامة أول فندق للإبل في العالم في يناير 2022، وتخصيص يوم عالمي للإبل في 22 يونيو 2021، وتخصيص شعارات وأسماء حصرية للإبل في أكتوبر 2021، وإطلاق منصة “وثّقها” الإلكترونية في عام 2022 لتوثيق السلالات والحمض النووي والتأمين على الإبل. كما أُعلن عام 2024 “عام الإبل” في السعودية تأصيلاً لمكانتها الثقافية.
هذه المبادرات تعكس الأهمية الكبيرة التي توليها الجهات الحكومية للإبل، والتي لم تكن بهذه الأهمية إلا بوجود اهتمام كبير من قبل المجتمع السعودي. تُعد الإبل جزءًا أصيلاً من التراث المحلي، وتجسد قيم الأصالة والارتباط بالجذور.
من المتوقع أن تستمر وزارة البيئة والمياه والزراعة في تطوير وتنفيذ المزيد من المبادرات التي تهدف إلى تنظيم قطاع الإبل وتعزيز كفاءته. من بين الخطوات المستقبلية المحتملة، تطوير نظام تتبع رقمي متكامل للإبل، وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للمربين، وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المعنية بالثروة الحيوانية. سيراقب المراقبون عن كثب تأثير هذه المبادرات على النمو الاقتصادي للقطاع، وعلى الحفاظ على هذا الموروث الثقافي الفريد.
