شهدت المملكة العربية السعودية نمواً ملحوظاً في نشاط براءات الاختراع خلال السنوات الأخيرة، مدفوعاً برؤية 2030 الطموحة التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز الابتكار. وتُظهر البيانات الصادرة عن الهيئة السعودية للملكية الفكرية تسارعاً في وتيرة تقديم طلبات البراءات وإصدار الوثائق الرسمية، مما يعكس التزاماً قوياً بدعم البحث والتطوير وحماية حقوق المبتكرين. هذا التطور يساهم في بناء اقتصاد معرفي مستدام وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وتشير الأرقام إلى أن المملكة تسعى بخطى ثابتة لتصبح مركزاً إقليمياً رائداً في مجال الابتكار والملكية الفكرية. هذا التحول يتطلب جهوداً متواصلة لتطوير البنية التحتية للابتكار، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتشجيع ثقافة الابتكار في المجتمع.
براءات الاختراع في السعودية: نمو متسارع يعكس رؤية 2030
تلقت الهيئة السعودية للملكية الفكرية ما مجموعه 7084 طلب براءة اختراع خلال عام 2023، بزيادة قدرها 21% مقارنة بالعام الذي سبقه. وقد تم إصدار 1705 وثيقة براءة اختراع رسمية بعد استكمال إجراءات الفحص اللازمة. هذا الرقم القياسي يعكس جهوداً كبيرة في تطوير منظومة الابتكار في المملكة.
حصيلة عام 2023 بالتفصيل
أظهرت البيانات أن 75% من البراءات المقدمة كانت من داخل المملكة، بينما جاءت الطلبات من 49 دولة أخرى، مما يؤكد جاذبية السوق السعودي لحماية الابتكارات الأجنبية. ساهم الأفراد السعوديون بنسبة تزيد عن 60% من البراءات الصادرة، أي ما يعادل أكثر من 770 براءة، متفوقين على مساهمات الشركات والقطاع الخاص. هذا يشير إلى اتساع قاعدة المبتكرين وتنامي دور الأفراد في إيجاد حلول تقنية وتطبيقية.
من حيث التوزيع القطاعي، تركزت أغلب البراءات في مجالات تقنية المعلومات والبرمجيات (25.42%)، تليها إدارة المكتبات والمستندات (21.49%)، ثم الاختراعات التطبيقية (14.68%). هذا التوزيع يعكس أولويات المملكة في تطوير القطاعات الرقمية والمعرفية.
تسارع النمو في 2024 و 2025
واصلت منظومة الملكية الفكرية في المملكة تحقيق نمو ملحوظ في عام 2024، حيث ارتفع عدد طلبات براءات الاختراع إلى 8029 طلباً، بزيادة قدرها 13.33% مقارنة بعام 2023. وقامت الهيئة بإصدار 4355 وثيقة براءة اختراع، بالإضافة إلى 1578 شهادة تصميم صناعي و1504 شهادات تسجيل اختياري لحقوق المؤلف. هذا النمو الشامل يؤكد التزام المملكة بحماية جميع أشكال الإبداع والابتكار.
شهدت مشاركة الأفراد قفزة كبيرة، حيث بلغت طلباتهم 2139 طلباً في عام 2024 مقارنة بـ 1320 طلباً في عام 2023، أي بنسبة نمو تجاوزت 62%. كما ارتفعت الطلبات الأجنبية إلى 4921 طلباً، بزيادة قدرها 15%، مما يعكس الثقة المتزايدة من الشركات والمؤسسات الدولية في نظام الملكية الفكرية السعودي.
في النصف الأول من عام 2025، بلغ إجمالي الطلبات المسجلة في مختلف مجالات الملكية الفكرية 27938 طلباً، بنمو نسبته 23% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. برزت براءات الذكاء الاصطناعي بشكل خاص، حيث تم تسجيل 1189 براءة، مما وضع المملكة في المرتبة 24 عالمياً في هذا المجال. هذا الإنجاز يعكس استثمارات المملكة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
تطور التوزيع القطاعي للابتكار
شهد توزيع طلبات براءات الاختراع تحولات ملحوظة. في عام 2024، استحوذ قطاع تقنية المعلومات والبرمجيات على 25.77% من الطلبات، مقارنة بـ 25.42% في عام 2023، مما يدل على استقرار هذا القطاع كمحرك رئيسي للابتكار. في المقابل، ارتفعت نسبة براءات إدارة المكتبات والمستندات إلى 57.16% في عام 2024، مقارنة بـ 21.49% في عام 2023، مما يشير إلى توسع الابتكارات المرتبطة بالحوكمة الرقمية وأرشفة البيانات وإدارة المحتوى المؤسسي. بينما بلغت نسبة الاختراعات التطبيقية 12.46% في عام 2024 مقارنة بـ 14.68% في العام السابق.
ويُقدر عدد الطلبات في قطاع تقنية المعلومات خلال عام 2024 بنحو 2070 طلباً، مقابل حوالي 4590 طلباً في إدارة المكتبات والمستندات، وحوالي 1000 طلب في الاختراعات التطبيقية، بالإضافة إلى طلبات أخرى في مجالات متنوعة تمثل حوالي 4.61% من الإجمالي.
تُظهر هذه البيانات أهمية الاستثمار في البحث والتطوير في مختلف القطاعات، وتشجيع الابتكار في المجالات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية. براءات الاختراع تلعب دوراً حيوياً في حماية هذه الابتكارات وتعزيز القدرة التنافسية للمملكة.
دور الجامعات والمؤسسات البحثية في تعزيز الابتكار
أظهرت البيانات أن الجامعات والمؤسسات البحثية شكلت ما يقارب 96% من البراءات الممنوحة خلال عام 2024، مما يدل على الدور المحوري للقطاع الأكاديمي في إنتاج المعرفة والابتكار. برزت العديد من الجامعات السعودية الكبرى في تقديم طلبات براءات متعددة، وذلك ضمن برامج بحثية مدعومة ومراكز ابتكار متخصصة. هذا يعكس نجاح السياسات الداعمة للبحث العلمي وربط الجامعات باحتياجات الاقتصاد الوطني.
وتشير التقديرات إلى أن المملكة ستواصل الاستثمار في البحث والتطوير، وتعزيز التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص، بهدف زيادة عدد براءات الاختراع وتحقيق المزيد من الإنجازات في مجال الابتكار. من المتوقع أن تشهد المملكة المزيد من التقدم في هذا المجال خلال السنوات القادمة.
سجلت المملكة خلال عام 2024 تحسناً ملحوظاً في المؤشرات المرتبطة بالملكية الفكرية، حيث ارتفع مؤشر الوعي الوطني بها بنسبة 8%، كما تحسن ترتيب السعودية بنسبة 17.5% في مؤشر الملكية الفكرية العالمي لعام 2025، متقدمة على 55 اقتصاداً. هذا التحسن يعزى إلى تطوير الأطر التشريعية، وتسريع إجراءات الفحص، وتوسيع الخدمات الرقمية، بالإضافة إلى الحملات التوعوية التي استهدفت الباحثين ورواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
من المتوقع أن تستمر الهيئة السعودية للملكية الفكرية في تطوير خدماتها وتحسين أدائها، بهدف دعم الابتكار وحماية حقوق المبتكرين. من المهم أيضاً مراقبة التطورات في مجال الملكية الفكرية على المستوى العالمي، والتكيف معها لضمان استمرار المملكة في تحقيق التقدم في هذا المجال.
