تتجه المملكة العربية السعودية نحو تحويل قطاع التعليم إلى محرك اقتصادي رئيسي، وجذب استثمارات أجنبية كبيرة في هذا المجال. فقد أعلنت وزارة التعليم عن تلقيها 199 طلبًا للاستثمار الأجنبي في التعليم العام والجامعي حتى يناير 2026، في خطوة تعكس البيئة الاستثمارية الجاذبة التي تعمل عليها المملكة، وتتماشى مع رؤية 2030 الطموحة. هذا التحول يهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني، وتعزيز رأس المال البشري، ورفع مستوى التعليم لتلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة.
الاستثمار الأجنبي في التعليم السعودي: زخم متزايد
أظهر منتدى الاستثمار في التعليم والتدريب بالرياض، الذي افتتحه وزير التعليم يوسف البنيان في 25 يناير 2026، اهتمامًا متزايدًا من المستثمرين الأجانب بقطاع التعليم السعودي. وأكد البنيان أن الوزارة تعمل على تطوير بيئة تنظيمية مرنة لتشجيع مشاركة القطاع الخاص والربحي، وتوفير دليل استثماري شامل يوضح الفرص والتحديات. ويأتي هذا في وقت تشهد فيه المملكة إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الأصول التعليمية وتحويلها إلى منصات إنتاج معرفي واقتصادي.
تجاوز الأهداف وارتفاع عدد المؤسسات التعليمية الأجنبية
بلغ عدد المقار التعليمية الأجنبية العاملة في السعودية حاليًا 700 مقر، متجاوزةً الهدف المحدد بخطط رؤية 2030 والذي كان يهدف إلى الوصول إلى 500 مقر بحلول عام 2030، وفقًا لتصريحات مساعد وزير الاستثمار، عبد الله الدبيخي. ويعكس هذا النمو نجاح المملكة في استقطاب جامعات ومدارس عالمية مرموقة، مما يساهم في رفع مستوى التعليم وتوفير خيارات متنوعة للطلاب.
توسيع نطاق الاستثمار ليشمل رياض الأطفال والملاعب المدرسية
لا يقتصر الزخم الاستثماري على التعليم الجامعي، بل يمتد ليشمل مراحل تعليمية أخرى، مثل رياض الأطفال. أكد مساعد وزير التعليم للتعليم الخاص والاستثمار، إياد القرعاوي، على العمل على تسهيل الإجراءات الاستثمارية في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك، يجري العمل على استقطاب جامعات أجنبية جديدة للدخول إلى السوق السعودية. كما تم إطلاق منصة لاستثمار الملاعب المدرسية، بهدف الاستفادة من الأصول التعليمية غير المستغلة وتحويلها إلى مصادر دخل إضافية.
ومع ذلك، أشار الدبيخي إلى أن التدفقات النقدية في قطاع التعليم لا تزال محدودة، وأن التركيز في المرحلة السابقة كان على بناء المنظومة واستقطاب الكيانات النوعية، وليس بالضرورة تحقيق عوائد استثمارية مباشرة في البداية. ويرى أن هذا النهج يهدف إلى بناء قاعدة قوية للاستثمار المستدام في التعليم.
التعليم كجزء من منظومة اقتصادية متكاملة
يتكامل التوجه نحو الاستثمار في التعليم مع جهود المملكة لتطوير قطاعات أخرى، مثل الرياضة. أشار نائب وزير الرياضة بدر القاضي إلى أن الاستثمار الخاص في المجال الرياضي بلغ 15%، مع استهداف رفعه إلى 25%، وذلك من خلال التوسع في الأكاديميات الرياضية، التي تعتبر جزءًا من صناعة اقتصادية متكاملة. هذا التكامل يعكس رؤية المملكة الشاملة للتنمية، التي تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
تحليل اقتصادي: التعليم استثمار طويل الأجل
يرى المحلل الاقتصادي ومطوّر الأعمال، سعيد خليل العبسي، أن التعليم يعتبر من أهم القطاعات الاستثمارية طويلة الأجل في السعودية، نظرًا لاستقرار الطلب والعائد المستدام، بالإضافة إلى دوره المحوري في بناء رأس المال البشري ورفع إنتاجية الاقتصاد. ويؤكد أن هذا يتوافق مع أهداف رؤية السعودية 2030، التي تضع التعليم في صميم التحول التنموي.
ويضيف العبسي أن الممكنات التنظيمية، مثل وضوح الأطر القانونية واستقرار البيئة التشريعية، ساهمت في تعزيز جاذبية القطاع أمام المستثمرين. كما يشير إلى أن العوائد من الاستثمار في التعليم لا تقاس بالعائد المالي فقط، بل بمؤشر مزدوج يجمع بين الاستدامة الاقتصادية وجودة المخرجات، مثل قابلية توظيف الخريجين.
صفقات الاستحواذ: مؤشر على نضج القطاع
شهدت السعودية في الآونة الأخيرة تصاعدًا في سباق الاستحواذ على المدارس الخاصة والعالمية، مما يعكس تحول التعليم إلى ساحة استثمارية نشطة. ففي 8 ديسمبر 2025، أعلنت مجموعة “سنام” القابضة الكويتية عن استحواذها على حصة في مدارس جلوبال العالمية الحديثة. وتعكس هذه الصفقة جاذبية البيئة الاستثمارية في التعليم السعودي، مدعومة بحجم السوق واتساع قاعدة الشركات العاملة في القطاع.
من المتوقع أن يستمر زخم الاستثمار في قطاع التعليم السعودي خلال الفترة القادمة، مع استمرار الحكومة في تنفيذ الإصلاحات وتوفير الحوافز للمستثمرين. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات، مثل الحاجة إلى تطوير المناهج الدراسية وتأهيل الكوادر التعليمية، لضمان تحقيق أهداف رؤية 2030. وستكون متابعة تطورات الاستثمار في التعليم، وتقييم أثرها على جودة التعليم والتنمية الاقتصادية، أمرًا بالغ الأهمية في الفترة المقبلة.
