لم يعد اقتصاد صناع المحتوى مجرد نشاط رقمي ثانوي، بل تحول خلال العقد الماضي إلى صناعة عالمية متكاملة تقدر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات. وشهدت دول الخليج نمواً ملحوظاً في هذا القطاع، ليس كمجرد سوق استهلاكي للمحتوى، بل كمختبرات تنظيمية واستثمارية تسعى لدمج هذه الصناعة في مسارات التنويع الاقتصادي.
في هذا المشهد المتسارع، تبرز دول الخليج كأحد أكثر الأقاليم استعداداً لاحتضان هذا التحول، مدفوعةً بالبنية التحتية الرقمية المتقدمة وارتفاع معدلات استخدام المنصات الرقمية. وتسعى هذه الدول إلى الاستفادة من إمكانات هذا القطاع في دعم النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
تطور اقتصاد صناع المحتوى في الخليج
خلال السنوات الأخيرة، انتقلت دول الخليج من النظر إلى صناع المحتوى كأدوات تسويقية مؤقتة إلى اعتبارهم جزءاً أساسياً من منظومة اقتصادية أوسع. يشمل هذا التحول الاستثمار في التدريب والتنظيم والتمويل، بالإضافة إلى ربط المحتوى بالقطاعات الحيوية مثل السياحة والترفيه والرياضة.
وقد تجلى هذا التوجه في إطلاق العديد من الأكاديميات المتخصصة وبرامج الشراكة مع الجهات الحكومية. كما تم دمج صناع المحتوى في الحملات الوطنية والفعاليات الكبرى، مما حول المحتوى من نشاط فردي إلى أداة اقتصادية ذات عائد ملموس.
من الاستهلاك إلى بناء المنظومة
ساهمت البنية الرقمية المتطورة في دول الخليج، وارتفاع نسب استخدام المنصات الرقمية، وسهولة الوصول إلى العلامات التجارية في تسريع هذا التحول. أصبحت المدن الخليجية نفسها منتجات محتوى قابلة للتسويق عالمياً من خلال التجارب الشخصية والسرد القصصي.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت المنطقة إطلاق مبادرات مثل “مقر المؤثرين” في الإمارات، والذي استقطب عدداً كبيراً من المؤثرين والشركات العاملة في هذا المجال، مما يعكس الاهتمام المتزايد بدعم هذا القطاع.
التنظيم والفرص في قطاع صناع المحتوى
على الرغم من النمو السريع، يواجه اقتصاد صناع المحتوى في الخليج تحديات تنظيمية مماثلة لتلك التي تشهدها الاقتصادات الكبرى. تشمل هذه التحديات تصنيف النشاط، وتنظيم الدخل، وحماية العلامات التجارية، وضبط العلاقة بين المحتوى والإعلان.
وحتى الآن، استفاد هذا القطاع من مرونة تنظيمية ساعدت على توسعه. ومع ذلك، تشير المؤشرات إلى الانتقال التدريجي نحو مرحلة أكثر تنظيماً، توازن بين الابتكار والحماية، وبين الحرية والمسؤولية.
يعكس هذا التوجه إدراكاً بأن الاعتماد على الأفراد وحدهم يجعل السوق هشاً، في حين أن بناء منظومة متكاملة يقلل من المخاطر المحتملة، ويرفع جودة المحتوى، ويمنحه استدامة أطول، خاصة مع تزايد عدد العاملين في هذا المجال بدوام كامل.
النمو العالمي وتأثيره على الخليج
تشير التقديرات العالمية إلى أن اقتصاد صناع المحتوى يشهد نمواً متسارعاً، مدفوعاً بتحول ميزانيات الإعلان من الوسائط التقليدية إلى المنصات الرقمية، وتغير سلوك المستهلكين، واعتماد العلامات التجارية على المؤثرين للوصول المباشر إلى الجمهور.
وتقدر بعض المؤسسات المالية أن اقتصاد صناع المحتوى قد يصل إلى حوالي 500 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعاً بتوسع الإعلان الرقمي، ونمو التجارة الإلكترونية المرتبطة بالمحتوى، وصعود نماذج الاشتراكات والبودكاست والترخيص.
ومع ذلك، لا يزال هذا الاقتصاد إلى حد كبير خارج نطاق القياس الدقيق في الإحصاءات الرسمية، حيث لا يتم تصنيف مهنة “صانع محتوى” ضمن قطاعات سوق العمل التقليدية، مما يؤدي إلى التقليل من حجمه الحقيقي وتأثيره في الناتج المحلي.
تحديات الدخل والاستدامة
يحذر خبراء الاقتصاد من أن النمو السريع لهذا القطاع يخفي هشاشة هيكلية، حيث يعتمد العديد من صناع المحتوى على مصادر دخل غير منتظمة، مرتبطة بالخوارزميات والمنصات وتقلبات الإنفاق الإعلاني، دون ضمانات طويلة الأجل.
وتشير التقارير الدولية إلى أن شريحة واسعة من العاملين في هذا المجال تضع كامل دخلها في مصدر واحد، مما يجعلهم عرضة للصدمات عند تغير سياسات المنصات أو تراجع الطلب الإعلاني.
وهذا الواقع دفع الحكومات في الاقتصادات الكبرى إلى فتح نقاشات حول الضرائب، وتنظيم الدخل، وحماية المستهلك، والحد من المخاطر المرتبطة بالعمل الجانبي، في ظل توسع هذا النشاط خارج إطار الرقابة التقليدية.
يتوسع اقتصاد صناع المحتوى ليشمل الشراكات والترخيص والاشتراكات والتجارة الإلكترونية، مما يجعله جزءاً من سلاسل قيمة أوسع داخل الاقتصاد الرقمي. وتلعب التجارة الإلكترونية دوراً محورياً في هذا التحول، حيث تتيح للأفراد الوصول إلى أسواق عالمية دون تكاليف تشغيل تقليدية.
من المتوقع أن تستمر دول الخليج في تطوير منظومة تنظيمية واستثمارية متكاملة لدعم قطاع صناع المحتوى، مع التركيز على بناء سلاسل قيمة مستدامة وتعزيز دور هذا القطاع في التنويع الاقتصادي. ويتطلب ذلك مزيداً من التعاون بين القطاعين العام والخاص، والاستثمار في التدريب والتطوير، وتوفير بيئة تنظيمية جاذبة للمستثمرين والمبدعين.
