لم يعد الاهتمام الإسرائيلي بالقرن الأفريقي مجرد متابعة، بل شهد تصاعدًا ملحوظًا في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، “طوفان الأقصى”. هذا التصاعد يتجلى بوضوح في سياق التحديات التي فرضتها جماعة أنصار الله الحوثيين، من خلال استهدافها لحركة الملاحة في البحر الأحمر وتعطيلها ميناء إيلات. هذا الوضع دفع إسرائيل إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الإقليمية، ويبدو أن الاعتراف بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي يمثل جزءًا من هذه الاستراتيجية الجديدة، وسيكون له تداعيات على الأمن القومي للدول المجاورة.
القرار الإسرائيلي بالاعتراف بـ “أرض الصومال” يمثل محاولة للتقرب من منطقة ذات أهمية استراتيجية، وربما يهدف إلى إيجاد موطئ قدم يمكن من خلاله مواجهة التهديدات التي تمثلها الجماعات المسلحة في المنطقة، وعلى رأسها الحوثيون. إسرائيل كانت تواجه صعوبات في الوصول إلى أهدافها في اليمن بسبب المسافات الشاسعة، فضلاً عن نقص المعلومات الاستخبارية الدقيقة حول الوضع على الأرض.
تداعيات الاعتراف بـ “أرض الصومال” على الأمن القومي الإقليمي
لا يقتصر تأثير هذا القرار على التعامل المباشر مع الحوثيين. فهو يمثل جزءًا من مخطط أوسع يهدف إلى تغيير موازين القوى في القرن الأفريقي، وتقويض المصالح الإقليمية للقوى المنافسة. هناك مخاوف متزايدة من أن هذا الاعتراف قد يشجع على المزيد من الانفصالات في المنطقة، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار.
إسرائيل تسعى من خلال هذا التحرك إلى ضرب عدة عصافير بحجر واحد. يشمل ذلك محاولة إضعاف مصر والسعودية، وتقويض النفوذ التركي والقطري والإيراني في المنطقة. القرن الأفريقي يشهد بالفعل صراعات ونزاعات متعددة، والتدخل الإسرائيلي قد يزيد من تعقيد هذه الصراعات.
الوضع في اليمن والسودان
التطورات في اليمن، وخاصة في المهرة وحضرموت، والصراع الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، كلها جزء من هذا المشهد المتداخل. هناك تقارير تشير إلى دور إسرائيلي في دعم الأطراف المتصارعة في هذه الدول، بهدف تحقيق أهدافها الاستراتيجية. بين هذه الدول يظهر حلف “الغاز والعسكر” كلاعب مهم في التفاعلات الإقليمية.
السعودية تعرب عن قلقها المتزايد من هذه التطورات، وتدرك أن أمنها القومي بات مهددًا بشكل مباشر. مصدر سعودي ذكر لوسائل الإعلام أن هناك أدلة على دور دولة إقليمية في استهداف الأمن القومي السعودي، مشيرًا إلى إسرائيل بشكل غير مباشر. ويرى مراقبون أن تنامي النفوذ الإثيوبي في المنطقة يثير قلق الرياض بشكل خاص.
موقف مصر وتركيا وقطر
مصر، بدورها، تعتبر الوضع في القرن الأفريقي يشكل تهديدًا كبيرًا لأمنها القومي. فالقاهرة محاطة بمناطق أزمات، مثل ليبيا والسودان والصومال واليمن. وتعمل مصر بشكل وثيق مع السعودية وتركيا وقطر، بهدف منع أي تفاقم في الوضع الإقليمي. وتشعر بأنزعاجه من الدور المتصاعد لإثيوبيا في المنطقة.
تركيا وقطر تنظران إلى الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” بشك كبير، وتخشى أن يكون ذلك مقدمة لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في المنطقة. وهما تدركان أن إسرائيل تسعى إلى تقويض نفوذهما في الصومال والدول الأخرى في القرن الأفريقي. وتعملان على تعزيز علاقاتهما مع الصومال لمواجهة هذه التهديدات
السيناريوهات المحتملة والمخاطر المترتبة
هناك سيناريوهات متعددة قد تتطور في أعقاب هذا الاعتراف الإسرائيلي. قد نشهد المزيد من التصعيد في الصراع في اليمن والسودان والصومال. كما قد نشهد محاولات إسرائيلية لإنشاء تحالفات جديدة في المنطقة، بهدف تعزيز نفوذها وتقويض مصالح خصومها. وتتخوف الأوساط الفلسطينية من أن تكون أرض الصومال المحطة التالية لمشاريع التهجير.
إحدى المخاطر الرئيسية المترتبة على هذا الوضع هو احتمال وقوع المنطقة في حرب بالوكالة بين إسرائيل وإيران. فإسرائيل تعتبر إيران أكبر تهديد لأمنها القومي، وتسعى إلى إضعاف نفوذها في المنطقة بكل الوسائل الممكنة. وآخر التطورات تشير إلى ضوء أخضر أمريكي لإسرائيل لاستئناف أي تحرك عدائي تجاه إيران.
بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر من أن يؤدي هذا التدخل الإسرائيلي إلى زيادة التوترات الطائفية والعرقية في القرن الأفريقي. فالمنطقة تشهد بالفعل صراعات متعددة حول الهوية والموارد والسلطة، والتدخل الأجنبي قد يزيد من تعقيد هذه الصراعات.
الخطوة التالية المتوقعة هي رد فعل الدول الإقليمية، وعلى رأسها مصر والسعودية وتركيا وقطر. من المرجح أن تسعى هذه الدول إلى تشكيل جبهة موحدة لمواجهة هذا التهديد الجديد. كما من المحتمل أن تزيد من دعمها للفصائل المعارضة للانفصال في الصومال واليمن. تبقى التحديات كبيرة، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الجهود ستنجح في منع تفاقم الوضع في المنطقة. ستحتاج الأيام والأسابيع القادمة إلى متابعة دقيقة لتقييم التطورات بشكل كامل.
