شارع النبي دانيال في الإسكندرية، أحد أقدم وأشهر شوارع المدينة، يشهد تراجعًا ملحوظًا في بريقه الثقافي والتاريخي. لطالما كان هذا الشارع، الذي يعود تاريخه إلى العصر اليوناني، مقصدًا للباحثين عن الكتب النادرة والتراثية، ومحبي التاريخ، إلا أن عوامل متعددة ساهمت في تغيير وجهه وتحويله إلى مجرد ممر تجاري مزدحم. هذا المقال يسلط الضوء على تاريخ الشارع، أسباب تراجعه، وجهود التطوير الحالية، ومستقبله المجهول.
تقع هذه المنطقة الحيوية في قلب الإسكندرية، وتحديدًا في منطقة المنشية، وقد شهدت على مر العصور حضارات وثقافات مختلفة. تاريخيًا، كان الشارع يربط بين بوابتي المدينة في العصر اليوناني، وعرف باسم “دي كومناس كادو”. اليوم، يواجه شارع النبي دانيال تحديات كبيرة تهدد هويته المميزة.
تاريخ عريق وأساطير متوارثة في شارع النبي دانيال
يعود تاريخ شارع النبي دانيال إلى العصر اليوناني القديم، حيث كان جزءًا من تخطيط المدينة الذي وضعه الإسكندر الأكبر. تقول الأسطورة أن الشارع كان يمثل أحد الشوارع الرئيسية في المدينة، والتي قسمت إلى شبكة من الشوارع المتعامدة.
اشتق الشارع اسمه من مسجد النبي دانيال، الذي يقع في منتصفه، على الرغم من وجود معبد يهودي يحمل اسم النبي دانيال أيضًا. تتعدد الروايات حول أصل تسمية الشارع، إلا أن جميعها تشير إلى أهمية هذا المكان الدينية والتاريخية.
أهمية الشارع في العصور المختلفة
شهد الشارع ازدهارًا كبيرًا في العصر الإسلامي، حيث أصبح مركزًا للتجارة والثقافة. كان يضم العديد من المكتبات والدوريات والمقاهي الأدبية، التي كانت تجذب المثقفين والأدباء من جميع أنحاء العالم.
في العصر الحديث، استمر الشارع في الحفاظ على أهميته الثقافية، إلا أنه بدأ في مواجهة تحديات جديدة، مثل التوسع العمراني وزيادة عدد السكان.
أسباب تراجع شارع النبي دانيال
يعزى تراجع شارع النبي دانيال إلى عدة عوامل، من بينها التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر في العقود الأخيرة. فقد أدى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية إلى انخفاض الطلب على الكتب، مما أثر سلبًا على تجارة الكتب في الشارع.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت زيادة عدد الباعة الجائلين في الشارع في تشويه مظهره العام، وإعاقة حركة المرور. كما أن عدم وجود خطة واضحة لتطوير الشارع والحفاظ على هويته المميزة قد أدى إلى تفاقم المشكلة.
أحد التحديات الرئيسية هو المنافسة من مراكز التسوق الحديثة والمكتبات الكبيرة، التي تقدم أسعارًا أقل وتشكيلة أوسع من الكتب. هذا التحول في سلوك المستهلكين أثر بشكل كبير على تجارة الكتب التقليدية في الشارع.
جهود التطوير الحالية ومستقبل الشارع
أعلنت محافظة الإسكندرية في عام 2023 عن خطة لتطوير شارع النبي دانيال وإعادة تأهيله. تهدف الخطة إلى ترميم المباني التاريخية، وتطوير واجهات المحلات، وتنظيم حركة المرور، وتحسين مستوى النظافة.
تضمنت الخطة أيضًا إنشاء ممشى ثقافي وسياحي في الشارع، يضم أكشاكًا لبيع الكتب والدوريات، ومقاهي أدبية، ومعارض فنية. ومع ذلك، يرى بعض السكان والتجار أن الخطة لم تكن شاملة بما يكفي، وأنها لم تستهدف سوى الجوانب المادية للشارع، دون الاهتمام بالجوانب الثقافية والاجتماعية.
يرى مراقبون أن مستقبل شارع النبي دانيال يعتمد على قدرة الحكومة والمجتمع المدني على التعاون لإيجاد حلول مستدامة للتحديات التي تواجهه. من الضروري وضع خطة شاملة لتطوير الشارع، تأخذ في الاعتبار جميع جوانبه، وتحافظ على هويته المميزة.
من بين الخطوات التي يمكن اتخاذها لتطوير الشارع، تشجيع الاستثمار في قطاع الكتب، وتقديم الدعم المالي والتسويقي لتجار الكتب، وتنظيم فعاليات ثقافية وأدبية في الشارع، لجذب الزوار والمثقفين.
في الوقت الحالي، لا يزال مصير شارع النبي دانيال مجهولًا. تعتمد فرص نجاح خطة التطوير على توفير التمويل اللازم، وتنفيذ الخطة بفعالية، ومشاركة جميع الأطراف المعنية في عملية التطوير. يجب متابعة تنفيذ الخطة وتقييم نتائجها بشكل دوري، لضمان تحقيق الأهداف المرجوة.
