بين أزقة القاهرة التاريخية، لطالما كان سور الأزبكية وجهة أساسية لعشاق القراءة والباحثين عن الكتب المستعملة بأسعار معقولة. هذا السوق العتيق، الذي يحمل عبق الماضي الثقافي المصري، يشهد اليوم نقلة نوعية بعد انتقاله إلى موقع جديد، في خطوة تهدف إلى تنظيم العمل وتحسين بيئة البائعين والزوار. السؤال الذي يطرحه الكثيرون: هل سينجح سور الأزبكية في الحفاظ على هويته وجذبه لجمهوره العريض في موقعه الجديد؟
انتقال سور الأزبكية، الذي استغرق عدة أشهر، يأتي في إطار خطة لتطوير المناطق الثقافية في قلب العاصمة. الموقع الجديد، القريب من محطة مترو العتبة، يوفر مساحة أكثر تنظيمًا وواجهات حديثة، مقارنةً بالبنية العشوائية التي طالما ميزت موقعه السابق. لكن هذا التغيير لا يخلو من التحديات والمخاوف التي يشارك فيها الباعة والرواد على حد سواء.
تطور يثير الجدل حول مستقبل سور الأزبكية
الهدف المعلن من وراء التطوير هو تحسين تجربة التسوق للقراء وتوفير بيئة أكثر أمانًا للباعة. وقد تم تجهيز الموقع الجديد بوحدات خشبية أنيقة تحمل لافتات تعريفية للمكتبات، بالإضافة إلى ترتيب الكتب على حوامل مُنظمة. ومع ذلك، يشكو بعض الباعة من ضعف الإقبال في الأسابيع الأولى بعد الانتقال، ويعزونه إلى عدم معرفة الكثيرين بالموقع الجديد، خاصةً بعد تغيير مسارات الدخول والخروج من محطة المترو.
ويرى آخرون أن الموقع الجديد، على الرغم من قربه من محطة المترو، يفتقر إلى الرؤية الواضحة التي كان يتمتع بها في موقعه السابق. فقد كان السور القديم يقع في منطقة مفتوحة وجذابة للزبائن العابرين، بينما أصبح الموقع الجديد أكثر انغلاقًا ويتطلب جهدًا إضافيًا للوصول إليه. بالإضافة إلى ذلك، يثير ارتفاع الإيجارات في الموقع الجديد قلقًا بالغًا بين الباعة، خاصةً الذين يعتمدون على هامش ربح ضئيل.
تأثير الأسعار على رواد سور الأزبكية
لطالما كانت الأسعار المنخفضة إحدى أهم السمات التي تميز سور الأزبكية عن غيره من أسواق الكتب. ويخشى الباعة من أن يؤدي ارتفاع الإيجارات إلى زيادة أسعار الكتب، مما قد يدفع الكثير من الزبائن إلى البحث عن بدائل أرخص. وقد أكد عدد من الباعة أنهم يحاولون قدر الإمكان الحفاظ على الأسعار المعقولة، من خلال تقديم عروض وخصومات خاصة، لكنهم يواجهون صعوبات حقيقية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
آراء متباينة بين الباعة والرواد
تتفاوت آراء الباعة حول عملية الانتقال. فبينما يرى البعض أنها فرصة لتطوير العمل وتنظيمه، يعبر آخرون عن قلقهم العميق بشأن مستقبلهم. ويقول الحاج رمضان، أحد الباعة القدامى، إنه يشعر بالحزن على فقدان السور القديم، الذي كان يمثل جزءًا لا يتجزأ من ذاكرته وذاكرة الكثيرين. ويضيف: “كنا نبيع الكتب بأسعار زهيدة لإدخال السعادة على قلوب القراء، لكن ارتفاع الإيجارات يجعل ذلك صعبًا للغاية.”
في المقابل، أشاد الشاب محمد حاتم بالتطور الذي شهده السور، واعتبره خطوة إيجابية نحو الحفاظ على هذا المعلم الثقافي. وقال: “الموقع الجديد أكثر تنظيمًا ونظافة، مما يشجع على التسوق والقراءة. أتمنى أن يتمكن الباعة من التغلب على التحديات والاستمرار في تقديم الكتب بأسعار معقولة.” ويرى محمد أن الكتب المستعملة تلعب دورًا هامًا في نشر الثقافة والمعرفة، وأن سور الأزبكية يمثل ملاذًا للقراء من مختلف المستويات.
تحديات تواجه التنظيم الجديد لسور الأزبكية
بالإضافة إلى ارتفاع الإيجارات وضعف الإقبال، يواجه الموقع الجديد لـسور الأزبكية عددًا من التحديات الأخرى، مثل نقص الخدمات الأساسية، مثل دورات المياه والصرف الصحي. كما يشكو بعض الباعة من عدم وجود أماكن كافية لعرض الكتب، مما يحد من قدرتهم على جذب الزبائن. ووفقًا لتصريحات أحد الباعة، فإن هناك حاجة ماسة إلى تدخل الجهات المختصة لحل هذه المشكلات وتوفير بيئة عمل مناسبة.
كما تشير بعض التقارير إلى وجود مشكلة في نظام عداد الكهرباء الكودي، حيث يجد الباعة صعوبة في تسوية الفواتير المستحقة. ومع ذلك، يؤكد المسؤولون أنهم يعملون على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن، وتفعيل نظام عداد الكهرباء الذكي في الموقع الجديد.
من المقرر أن تقوم محافظة القاهرة بتقييم تجربة نقل سور الأزبكية خلال الأشهر الثلاثة القادمة، بناءً على آراء الباعة والرواد. وتهدف هذه التقييمات إلى تحديد نقاط القوة والضعف في الموقع الجديد، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتطويره وتحسينه. ويترقب الجميع نتائج هذه التقييمات، وما إذا كانت ستؤدي إلى حل المشكلات التي تواجه الباعة والرواد، والحفاظ على الهوية الثقافية المميزة لهذا السوق العريق.
